كل عام وأنتم بخير، أسابيع قليلة تفصلنا عن شهر رمضان المبارك، ذلك الشهر الذي ارتبط في ذاكرة الأسرة المصرية بطقس خاص لا يكتمل إلا بالالتفاف حول شاشة التليفزيون، لمتابعة الدراما الرمضانية التي كانت يومًا ما جزءًا أصيلًا من وجدان المجتمع، ومصدرًا للتثقيف والمتعة وبناء الوعي.
لسنوات طويلة، افتقدنا هذا المعنى الحقيقي للدراما، وتحولت بعض الأعمال إلى مجرد محتوى استهلاكي لا يليق بالشهر الكريم، ولا يعبر عن تاريخ الفن المصري أو مكانته. أعمال فقدت البوصلة، وغابت عنها القضايا الجوهرية، واستبدلت العمق بالإثارة، والقيم بالضجيج. ولولا تدخل الدولة وحرص القيادة السياسية، وعلى رأسها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، على إنقاذ الدراما المصرية، لكانت الخسائر أكبر، ولابتعدنا أكثر عن تلك الأعمال التي كنا نفخر بها يومًا.
لقد كانت الدراما المصرية، لعقود طويلة، أحد أهم أدوات القوة الناعمة، وقدمت نماذج فنية راسخة ما زالت حاضرة في الذاكرة، ليس فقط لقيمتها الفنية، بل لما حملته من رسائل وطنية وإنسانية واضحة مثل: **الشهد والدموع، ليالي الحلمية، المال والبنون، رأفت الهجان، عمر بن عبد العزيز، أرابيسك، زيزينا، الوتد** وغيرها من المسلسلات التي لم تكن مجرد حكايات، بل دروسًا في الانتماء والتاريخ والأخلاق.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على مكانة الدراما، خاصة في موسم رمضان، يُعد مسؤولية ثقافية ومجتمعية، تتطلب توازنًا دقيقًا بين حرية الإبداع والالتزام بالقيم العامة.
إنشاء لجنة الدراما التابعة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والتي تستهدف متابعة المحتوى الدرامي المعروض، والتأكد من توافقه مع قيم المجتمع المصري وهويته الثقافية، خطوة مهمة تعكس إدراكًا حقيقيًا لدور الفن، ليس فقط كوسيلة للترفيه، بل كقوة ناعمة قادرة على البناء أو الهدم.
لقد شهدت السنوات الماضية تغيرات مقلقة في شكل ومضمون بعض الأعمال، حيث تم تقديم سلوكيات شاذة أو مرفوضة اجتماعيًا على أنها أمر طبيعي، بل وأحيانًا كنموذج يُحتذى. مشاهد تفتقد الحد الأدنى من المنطق الأسري، أو تتجاوز الخصوصية، أو تروج للعنف والانفلات الأخلاقي، دون وعي بتأثيرها على الأجيال الجديدة، وكأن الشاشة الصغيرة فقدت إحساسها بالمسؤولية.
الأخطر من ذلك، هو سيطرة الإسفاف والتغريب على بعض الأعمال، سواء من خلال المبالغة في العري، أو فرض ثقافة دخيلة لا تشبه المجتمع المصري. استخدام اللغات الأجنبية في غير موضعها، والتخلي غير المبرر عن اللغة العربية، ليس مجرد تفصيلة عابرة، بل مؤشر على أزمة هوية يجب التوقف أمامها. فاللغة ليست وسيلة تواصل فقط، بل وعاء للثقافة والانتماء.
الدراما المصرية كانت وستظل مرآة المجتمع، وإذا أردنا لها أن تعكس صورة حقيقية ومشرقة، فعلينا أن نعيد إليها وعيها ودورها التنويري، دراما تحترم عقل المشاهد، وتخاطب وجدانه، وتحافظ على قيمه، دون وصاية أو ابتذال.
ومع اقتراب الموسم الرمضاني، يبقى الرهان قائمًا على تقديم دراما تعيد الاعتبار لقيمة الفن ودوره التنويري، وتعيد للأسرة المصرية ثقتها في شاشة كانت يومًا بيتها الثاني، وتؤكد أن الشاشة الصغيرة قادرة على الجمع بين الإبداع والمسؤولية، وبين المعاصرة والحفاظ على الهوية الوطنية كما كانت من قبل.