رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تصاعدت حالة عدم اليقين والاضطراب التي باتت تطبع النظام الدولي منذ جائحة كورونا، بل يمكن القول إن هذه الحالة انتقلت من كونها ظرفًا استثنائيًا إلى سمة دائمة في العلاقات الدولية.

 

 ولم تكن منطقة الشرق الأوسط استثناءً من هذه التحولات، بل كانت من أكثر الأقاليم تأثرًا بتداعياتها السياسية والأمنية.


سياسات ترامب تجاه الشرق الأوسط، منذ عودته إلى السلطة في يناير 2025، شهدت منعطفات متباينة في الشكل، لكنها ظلت محكومة بعنوان واحد ثابت: «إرساء السلام في المنطقة» — أو بالأحرى فرضه بالقوة. غير أن هذا العنوان المعلن لا يعكس جوهر السياسة الأمريكية الفعلية، التي تسعى إلى إعادة هندسة النظام الإقليمي بما يكرّس إسرائيل باعتبارها القوة المهيمنة الوحيدة في الشرق الأوسط، بالنيابة عن الولايات المتحدة.


وتتطلب هذه الرؤية إخضاع الحليف قبل الخصم، وفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تتجاوز الاعتبارات السيادية لدول المنطقة.

 

 ففي هذا السياق، رفضت واشنطن الالتزام بصيغة حل الدولتين، وفتحت مسارًا تفاوضيًا مع إيران قبل أن تنقلب عليه بحرب الأيام الاثني عشر، كما حاولت فرض مخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة على كلٍّ من مصر والأردن، وضغطت على المملكة العربية السعودية للدفع نحو التطبيع مع إسرائيل دون تلبية الشرط السعودي الجوهري المتمثل في اتخاذ إسرائيل خطوات فعلية نحو حل الدولتين.


ورغم هذا الكم من الضغوط الأمريكية، والتساهل المفرط مع السياسات الإسرائيلية التصعيدية، اصطدمت واشنطن هذه المرة بحقيقة مغايرة: فدولًا وازنة في الإقليم لم تعد تنتظر الإشارات القادمة من العاصمة الأمريكية لتحديد مصير المنطقة أو إعادة رسم موازين القوى فيها.

 

وعلى الرغم من الشراكات الاستراتيجية القائمة مع الولايات المتحدة، فإن ذلك لم يمنع هذه الدول من بلورة رؤى وثوابت خاصة، تتحرك في إطارها بهدوء وبراغماتية، بهدف عرقلة المشروع الأمريكي–الإسرائيلي دون صدام مباشر.


وفي مقدمة هذه القوى الإقليمية الوازنة تبرز كل من جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، بوصفهما فاعلين رئيسيين يعملان على إدارة التوازنات الإقليمية، لا من منطلق المواجهة، بل من منطلق تقليص المخاطر ومنع فرض وقائع تهدد استقرار المنطقة على المدى الطويل.

 

في الحالة المصرية، التي تربطها بالولايات المتحدة شراكة استراتيجية تاريخية، تعرضت العلاقات المصرية–الأمريكية لاختبار صعب مع بداية الولاية الثانية لدونالد ترامب. فقد تبنّى الرئيس الأمريكي موقفًا متشددًا إزاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وطرح مقاربات تصفوية تضمنت تهجير الفلسطينيين من القطاع إلى الأراضي المصرية والأردنية، وهو ما قوبل برفض مصري علني وحاسم.

 

ولم يقتصر هذا الرفض على التصريحات السياسية، بل تُرجم عمليًا في امتناع الرئيس عبد الفتاح السيسي عن تلبية أكثر من دعوة لزيارة البيت الأبيض، تعبيرًا عن الاعتراض على هذا التوجه الأمريكي الحاد. ومع ذلك، حرصت القاهرة في الوقت ذاته على عدم قطع قنوات التواصل مع واشنطن، واستمرت في أداء دورها التقليدي كوسيط رئيسي إلى جانب قطر، وبمشاركة الولايات المتحدة نفسها.

 

وقد أسفرت هذه الجهود عن وقف الحرب، وانعقاد مؤتمر دولي موسّع في شرم الشيخ، بحضور الرئيس ترامب وعدد من قادة العالم، لإطلاق خطة سلام تهدف إلى إنهاء الحرب في غزة، والتمهيد لإعادة إعمار القطاع عبر مسار تدريجي متعدد المراحل. وفي هذا السياق، لعبت كل من مصر وقطر والسعودية وتركيا دورًا مهمًا في إقناع الإدارة الأمريكية بالتراجع عن أطروحات التهجير ومشاريع «الريفيرا» التي لاقت هوى لدى الحكومة الإسرائيلية، والاتجاه بدلًا من ذلك نحو مقاربة أكثر وسطية وبراغماتية، رغم المعارضة الإسرائيلية الواضحة لهذا المسار.

 

ورغم أن اتفاق غزة لا يزال يواجه تحديات جدية في التنفيذ، بفعل الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة وعدم التزام حكومة بنيامين نتنياهو بمعظم تعهداتها، فإنه يظل إطارًا قائمًا يمكن البناء عليه في حال توافرت الإرادة السياسية الأمريكية. وهو، في كل الأحوال، يظل خيارًا أقل كلفة من استمرار دوامة العنف أو تمرير مخططات التهجير القسري.

 

وفي موازاة ذلك، تُدرك القاهرة أهمية موازنة شراكاتها الاستراتيجية وعدم الارتهان لمسار واحد، وهو ما انعكس في حرصها على تنويع علاقاتها الدولية وتعميق تعاونها مع قوى دولية فاعلة مثل روسيا والصين، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، بما يمنحها هامش حركة أوسع في إدارة مصالحها الإقليمية والدولية في بيئة دولية شديدة التقلب.

 

أما المملكة العربية السعودية، فعلى الرغم من حرصها الواضح على تعزيز شراكتها مع الولايات المتحدة — سواء من خلال تبادل الزيارات رفيعة المستوى بين الرئيس ترامب وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، أو عبر ضخ استثمارات ضخمة في الاقتصاد الأمريكي — فإنها أظهرت في أكثر من محطة استعدادًا واضحًا لممارسة قدر أكبر من الاستقلالية في قراراتها الاستراتيجية.

 

وقد برز ذلك بوضوح في رفض الرياض السماح باستخدام القواعد الأمريكية على أراضيها، أو حتى مجالها الجوي، في أي عمليات عسكرية أمريكية أو إسرائيلية ضد إيران، في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران. كما تمسكت المملكة بالحفاظ على مسار التهدئة مع إيران الذي جرى التوصل إليه بوساطة صينية، رافضة الانجرار إلى منطق التصعيد، رغم الضغوط المتزايدة والسياق الإقليمي المتوتر.

 

وفي السياق ذاته، رفضت السعودية الضغوط الأمريكية الرامية إلى الدفع نحو تطبيع غير مشروط مع إسرائيل، متمسكة بضرورة اتخاذ تل أبيب خطوات فعلية وجدية نحو حل الدولتين، وهو شرط ترفضه إسرائيل علنًا دون مواربة. ويتقاطع هذا الموقف السعودي مع الرؤية المصرية في رفض التوجهات الإسرائيلية الداعمة لكيانات انفصالية داخل عدد من الدول العربية، وكذلك في التصدي لمحاولات التغلغل الأمني والعسكري والسياسي في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

 

ويعكس هذا التلاقي المصري–السعودي حراكًا إقليميًا أكثر استقلالية، تسعى من خلاله القوتان إلى إدارة توازنات المنطقة وفق رؤيتهما الخاصة للاستقرار، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية، ومن دون الانخراط في مواجهات مفتوحة. وهو حراك يهدف في جوهره إلى كبح محاولات فرض نظام إقليمي جديد تقوده إسرائيل بدعم أمريكي، على حساب قوى إقليمية وازنة مثل مصر والسعودية وتركيا، وبما يهدد أمن المنطقة واستقرارها على المدى الطويل.

 

ما تكشفه سياسات مصر والسعودية في التعامل مع الولاية الثانية لدونالد ترامب ليس قطيعة مع الولايات المتحدة، ولا تحديًا مباشرًا لنفوذها، بل تحولًا أعمق في منطق إدارة الإقليم. فالشرق الأوسط لم يعد يتعامل مع واشنطن باعتبارها المرجعية الحصرية للأمن أو الاستقرار، بل كفاعل مهم ضمن منظومة دولية وإقليمية أكثر تعقيدًا وتعددًا.


وفي هذا السياق، تبدو محاولات فرض وقائع جديدة بالقوة — سواء عبر التصعيد العسكري أو الضغوط السياسية — أقل قدرة على إعادة تشكيل المنطقة كما في السابق. ما يتبلور اليوم هو نمط من الاستقلالية الاستراتيجية الهادئة، تسعى من خلاله القوى الإقليمية الكبرى إلى تقليص المخاطر، وتنويع الشراكات، وإدارة التوازنات وفق مصالحها ورؤيتها الخاصة للاستقرار.


قد يكون ترامب قد عاد إلى البيت الأبيض، لكن الشرق الأوسط لم يعد ينتظر واشنطن لتحدد مساراته.

 

 بل بات يتحرك، بحذر وبراغماتية، في عالم لم تعد فيه القوة وحدها كافية لفرض النظام، ولا الوعود وحدها قادرة علي صناعته.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء