دبلوماسية الأكل.. "الكشري" من وجبة شعبية إلى قوة مصرية ناعمة
في السنوات الأخيرة، تجاوز الكشري مكانته كونه مجرد طبق شعبي مصري، ليصبح أداة من أدوات الدبلوماسية الناعمة التي تعكس الهوية المصرية وتبني جسورًا للتواصل الثقافي والسياسي، فكما يجمع هذا الطبق مكونات متعددة في انسجام فريد، فإنه يرمز إلى قدرة مصر على جمع الشعوب وتعزيز الحوار والتعاون الدولي.
"الكشري المصري" من وجبة شعبية إلى أداة دبلوماسية ناعمة
في كثير من اللقاءات الرسمية والمنتديات الاقتصادية، بات تقديم الكشري يترك أثرًا دافئًا لدى الضيوف الأجانب، باعتباره نموذجًا لثراء الثقافة المصرية، وأداة ذكية لدعم العلاقات السياسية والدبلوماسية عبر القوة الناعمة.

الكشري في حضن التاريخ بـ«شارع شامبليون»
وفي قلب وسط القاهرة، وبالتحديد في شارع شامبليون الذي يحمل اسم مكتشف رموز اللغة الهيروغليفية، يبرز رمز آخر للهوية المصرية متمثلًا في طبق الكشري.
هنا، عند مطعم «أبو طارق»، لم يعد الكشري مجرد وجبة شعبية، بل تحول إلى أداة دبلوماسية تقرب الثقافات وتبني جسورًا للتواصل الثقافي والسياسي.

وزراء ودبلوماسيون على مائدة «أبو طارق»
خلال السنوات الأخيرة، استقبل مطعم كشري أبو طارق الكثير من الوزراء والمسؤولين الأمميين، وكان آخرهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أشاد بالوجبة الشعبية واصفًا إياها بـ«اللذيذة والشهية».
وهذه الزيارة اعتبرها مراقبون بداية لتاريخ ما أطلق عليه لاحقًا «دبلوماسية الكشري»، خصوصًا في ظل جمود العلاقات بين القاهرة وطهران.

مطعم شعبي يتحول إلى نادي دبلوماسي
ومع مرور الوقت، لم يعد كشري «أبو طارق» مجرد مطعم، بل صار أشبه بنادي دبلوماسي غير رسمي يجمع وزراء وسفراء الشرق والغرب، ممن جذبتهم مكونات الكشري البسيطة، وهي: «الأرز والمعكرونة والعدس والحمص والبصل مع الدقة والشطة»، وفق الخلطة التي وضعها موسس المطعم العم يوسف منذ عام 1950.

البداية عند سفير نيوزيلندا
بدأت المبادرة بسفير نيوزيلندا السابق جريج لويس، ثم توالت زيارات عشرات السفراء من بريطانيا وأستراليا وتشيلي والأرجنتين والمكسيك وجورجيا ومالي وكولومبيا وبلجيكا وهولندا وأفغانستان ونيبال والدنمارك وبيرو وكوريا الجنوبية والبوسنة والهرسك، ما جعل «أبو طارق» ملتقى دبلوماسي بامتياز.

أبو الغيط: «دعاية دبلوماسية للكشري»
ويكشف طارق يوسف ابن مالك ومؤسس كشري أبو طارق، أن الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط، عندما كان وزيرًا للخارجية، كان يصطحب ضيوفه الأجانب لتذوق الكشري، وكان مازحًا يقول إنه يقوم شخصيًا بعمل «دعاية مجانية» للمطعم داخل الأوساط الدبلوماسية.
الكشري في الأحاديث الجانبية
وأوضح السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن المباحثات الرسمية كثيرًا ما تتخللها أحاديث جانبية عن الثقافة والأطعمة الشعبية، وغالبًا ما يكون الكشري من بين الأطباق التي يُنصح الضيوف بتجربتها، لتخفيف الأجواء الرسمية وإضفاء لمسة ودية.
كشري العيد الوطني في زيمبابوي
ويروي السفير رخا واقعة طريفة عندما كان سفيرًا لمصر في زيمبابوي، حيث كان يقدم الكشري ضمن مأدبة العيد الوطني المصري، لافتًا إلى أن ممثل دولة الفاتيكان كان ينتظر المناسبة سنويًا لتذوق الكشري، ويثني عليه في كل مرة.
ونال طبق الكشري إعجاب دبلوماسيين بارزين في القاهرة، بينهم سفير الاتحاد الأوروبي كريستيان برجر، ووزير خارجية سويسرا ايجنازيو كاسيس، ويائيل لامبرت من الخارجية الأمريكية، إضافة إلى سفير تشيلي بابلو أرياران، الذي رأى أن الكشري يستحق الانتشار عالميًا، وسفير جورجيا ألكسندر نالبندوف، الذي وصف «دبلوماسية الطعام» بانها الأفضل.
الكشري في عدسات السفراء
وكشف طارق يوسف أن كثيرًا من السفراء يوثقون تجربتهم عبر الصور والفيديوهات على مواقع التواصل، مشيرًا إلى أن سفير كمبوديا السابق، خوان راتاناك، حقق أكثر من مليون ونصف مشاهدة لمقطع فيديو تناول فيه الكشري، ما يعكس حجم التفاعل الشعبي والإعلامي.
وسائل التواصل وصناعة الدبلوماسية الناعمة
وكشفت الدكتورة سهير عثمان، أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت الدور الأكبر في ترويج الكشري عالميًا، عبر «الفوود بلوجرز» والمطاعم التي استثمرت في نشر تجربة السفراء والمشاهير، ما رسخ مفهوم «دبلوماسية الكشري» كأداة للقوة الناعمة المصرية.