بمجرد الدخول إلى أحد الموالد، تنساب من حولك المشاهد وكأنك داخل عالم آخر له قوامه وأهله ومحبيه ومريديه. رجال ونساء من أقصى مصر إلى أقصاها حضروا إلى المشهد تلبية لنداء غامض أو تحقيقا لعادة لا يستطيعون التوقف عنها لما تمثله بالنسبة لهم من وتد راسخ للسلام النفسي.
بهذه لهيئات يمكن تلمس ملامح الليلة الكبيرة التي كتبها العبقري صلاح جاهين، متجولا في ثنايا المولد ناقلا كل كبيرة وصغيرة فيه، من الباعة الجائلين إلى حلقات الذكر إلى المقاهي والراقصات والمطربين أصحاب المواويل، والسيرك والألعاب البهلوانية وألعاب القوى الاستعراضية، وحتى زفة المطاهر وتوهان الأطفال داخل هذه الحشود الغفيرة لم يغفلها الشاعر الراحل المعجونة روحه بتراب مصر.
لا أحد ينكر السحر الخالص الذي يتسرب إلي بدنه بمجرد الاقتراب من مقام أم العواجز، هذا السحر ربما أخذ بألباب الكثيرين ممن يحيطون مقام رئيسة الديوان السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب، أخت الحسن والحسين، وحفيدة النبي محمد، وكأن السلسلة النبوية يمتد أثرها ليصيب محبي آل البيت في مشهد فريد يتجلى عبر حضورهم الذائب في الوجد خلال المولد.
لم أتوقع زيارة مولد السيدة زينب، ولكنني حين فعلت بعد يوم عمل شاق، وجدت نفسي أمام هذه الأجواء الروحية والاحتفالات الشعبية الصاخبة والتلاحم والتدافع، فهذه الموالد هي فرصة عظيمة للفرح والسعادة والتقرب من آل البيت والتبرك بهم بالنسبة لغالبية المصريين.
لا تعد الموالد طقسا دينيا بقدر ما تعتبر احتفالا شعبيا ذا طابع روحي، ولذلك لا فارق كبير بين زوار الموالد الإسلامية وزوّار الموالد المسيحية مثل مولد العذرا وموالد القديسين، الجميع يذهب بحثا عن لحظات سعادة خاصة يستخلصها من الجواء المبهجة التي تحيط بالمولد أو يصنعها بنفسه عبر طقس روحاني للبركة عند صاحب المقام.
تكاد هذه الاحتفالات أن تلخص روح مصر بكل ما فيها من بهجة وحزن، من خضوع وزهو، من ألم ونشوة، كل هذه المشاعر وأكثر تتداخل وتختلط في نفوس الزائرين الذين يقدمون كل ما لديهم ليحظو بالبركة والرضا الذي يتجسد في النهاية بحالة سلام نفسي قد تبدو على الملامح وقد تتخفى في السرائر.
روح مصر الطيبة النقية، الملهمة الشقية، التي تضرب جذورها في أعماق أبنائها لتظهر في مثل هذه اللحظات، تتجلى في مشاهد متعددة، ربما متناقضة أحيانا، فهي خليط بين الأبيض والأسود، بين الخير والشر.
الخطأ والصواب. الحركة والسكون. ولا فوارق طبقية أو تعليمية أو إثنية في هذه الحالة، فالكل في طقوس الموالد متوحد ومستغرق فيها حتى النهاية، وربما لهذا السبب يص زوّارها للملايين في بعض الأحيان، وتمتد المساحات المخصصة لتلك لموالد لتشمل أحياء كاملة، خصوصا في الليلة الكبيرة التي تشهد ذروة الاحتفالات وإقبالا كبيرا من الزوار والمريدين والمحبين.
في مولد السيدة زينب يمكننا أن نشاهد كل طقوس الفرح والحزن والوجد والإلهام في دفقة واحدة، الأمر نفسه يتكرر في مولد الحسين أو فاطمة النبوية، بينما تشهد الموالد الإقليمية في المحافظات حشودا بالملايين، فمثلا مولد السيد البدوي شهد خلال العام الماضي أكثر من مليوني زائر، وفق بيانات من محافظة الغربية، وكذلك مولد أبو الحجاج الأقصري أو السيد البدوي أو مولد جبل الطير في المنيا، لا تقتصر هذه الموالد على المحبين والمريدين فقط، بل ربما أصبحت معلما سياحيا لدى فئة من الزائرين الأجانب، وأحيانا تتحول إلى شغف بالنسبة للبعض، حتى أن السفير الأميركي في مصر خلال العقد الأول في الألفية الجديدة، فرانسيس ريتشاردوني وأسرته كان حريصا على زيارة مدينة طنطا، وحضور احتفال الطرق الصوفية بمولد السيد البدوي كما كان يحضر بشكل دائم الموالد الشهيرة لآل البيت في القاهرة، ما يشير إلى أهمية هذه الموالد ليست فقط كحالة روحية أو كرنفال شعبي ولكن أيضا كواجهة سياحية.