رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بينما تدخل منطقة الشرق الأوسط عام 2026، يبدو أن قواعد الاشتباك التقليدية التي حكمت الصراع الأمريكي-الإيراني لعقود قد تآكلت، فلم يعد السؤال اليوم هو هل ستقع المواجهة؟ بل متى وكيف ستبدأ؟ فمع عودة سياسة "الضغوط القصوى" بنسختها الأكثر حدة، واقتراب البرنامج النووي الإيراني من نقطة اللاعودة، يجد الطرفان نفسيهما أمام خيارات صفرية تضيق يومًا بعد يوم.

حيث تتشابك عدة عوامل تجعل من خيار المواجهة العسكرية أقرب من أي وقت مضى، فرغم الضربات الإسرائيلية الأمريكية خلال حرب الاثني عشر يومًا على المنشآت النووية الإيرانية، وإعلان الولايات المتحدة الأمريكية أنها قضت على البرنامج النووي الإيراني، إلا أن التقارير الدولية تشير إلى أن طهران مستمرة في نشاطها النووي والصاروخي، وباتت تمتلك القدرة التقنية للتحول إلى دولة نووية في غضون فترة قصيرة، وهو خط أحمر أعلنت واشنطن صراحة أنها لن تقبل به ولن تسمح بتجاوزه.

ثاني العوامل التي تجعل المواجهة المؤجلة قد اقتربت هي الاضطرابات الداخلية، حيث تعيش إيران حالة من الغليان الشعبي نتيجة الأزمات الاقتصادية الخانقة، وهو ما قد يدفع النظام إلى "تصدير الأزمة" للخارج عبر تصعيد عسكري لتوحيد الجبهة الداخلية، أو يدفع واشنطن لاستغلال الضعف الداخلي لتوجيه ضربة قاصمة.

ثالثها التهديدات المباشرة: فتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المستمرة عن إيران، وتهديده بضربات لم يسبق لها مثيل ردًا على استهداف القواعد الأمريكية، رفعت من مستوى التوتر إلى مستويات قياسية.

السؤال هنا هو: بعد كل التصعيد، لماذا لم تنفجر الحرب بعد؟ في ظني أن الأمر يعود إلى كوابح التهدئة، فرغم ضجيج الطبول، هناك واقعية سياسية تمنع الانزلاق لحرب ومواجهة شاملة قد تأتي على الأخضر واليابس،

فالتكلفة الاقتصادية لأي مواجهة واسعة تعني إغلاق مضيق هرمز، مما سيؤدي إلى قفزة جنونية في أسعار النفط العالمية قد تصل لحاجز الـ120 دولارًا للبرميل، وهو ما لا تحتمله الأسواق العالمية أو الإدارة الأمريكية الطامحة للاستقرار والتحسن الاقتصادي جراء خفض سعر النفط، مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي في الداخل الأمريكي.

دور الجهود الدبلوماسية:

 

 فسلطنة عُمان تقود جهودًا مضنية في مسقط لفتح ثغرة في جدار الأزمة، انضم إلى هذه الجهود الجانب المصري والفرنسي باتصالات مباشرة مع الجانب الأمريكي والإيراني، حيث تم التأكيد على ضرورة العمل على خفض التصعيد وحدّة التوتر، وتحقيق التهدئة تفاديًا لانزلاق المنطقة إلى عدم الاستقرار والفوضى، مع التشديد على أهمية تهيئة المناخ الملائم لتغليب الحلول الدبلوماسية والتوصل إلى تسويات سياسية تدعم الأمن والاستقرار الإقليمي، حيث تراهن واشنطن على اتفاق شامل يضمن تحجيم النفوذ الإقليمي الإيراني مقابل رفع جزئي للعقوبات.

وعن مواقف القوى الإقليمية التي يغلب عليها حالة من الترقب الحذر، تجد هذه الدول نفسها في قلب العاصفة:
إسرائيل التي تتبنى استراتيجية "جزّ العشب"، وتدفع باتجاه ضربة استباقية للمنشآت النووية، معتبرة أن الوقت قد حان لإنهاء التهديد الوجودي.
ودول الخليج التي ما زالت توازن بين الرغبة في كبح النفوذ الإيراني والمخاوف من تحول أراضيها إلى ساحة معركة أو أهداف للصواريخ الإيرانية، لذا فهي تدفع باتجاه "تسوية الأزمة" وتجنب الحرب الشاملة.

موقف القوى الكبرى (الصين وروسيا):

 ترفض الصين العقوبات الأحادية وتستمر في استيراد النفط الإيراني، بينما ترى روسيا في الانشغال الأمريكي بإيران تخفيفًا للضغط عليها في جبهات أخرى، وإن كانت ترفض أن يسقط النظام الإيراني.

وعن السيناريوهات المستقبلية لهذه المواجهة وإلى أين نتجه؟
في رأيي يمكن وضع ثلاثة سيناريوهات لطبيعة هذا الصراع في المرحلة المقبلة:

 

أولها: سيناريو "الضربات الجراحية"، تقوم الولايات المتحدة (أو إسرائيل بدعم أمريكي) بتنفيذ ضربات دقيقة تستهدف المنشآت النووية الإيرانية ومراكز التصنيع العسكري، دون الانزلاق إلى غزو بري، وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، ولكن ما زالت الولايات المتحدة الأمريكية تخشى من إمكانية عدم تحقيق الأهداف، ومن رد الفعل الإيراني على ضرب القواعد العسكرية الأمريكية ومصالحها في المنطقة، وكذلك استهداف إسرائيل وقدرة إسرائيل على تحمل رد الفعل الإيراني.

 

ثانيها: سيناريو "التفكك من الداخل"، حيث تراهن الولايات المتحدة الأمريكية على تشديد العقوبات ودعم الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة التي من الممكن أن تدفع النظام للانهيار، مع تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، ولكن مع قدرة النظام على التعامل مع هذه الاحتجاجات وبقاء قاعدة صلبة ما زالت مؤيدة للنظام، قد لا يتحقق الأمر في المدى القريب، وهو الأمر الضاغط على الولايات المتحدة.

 

ثالثها: سيناريو "الصفقة الكبرى أو التسوية الشاملة"، فقد تحدث مفاجأة سياسية تقود إلى اتفاق تاريخي يتضمن تخلي إيران عن طموحها النووي مقابل اعتراف إقليمي ودولي بدورها، وهو السيناريو الأقل احتمالًا في ظل انعدام الثقة الحالي، وشعور إيران بتهديد وجودي حقيقي لم يتبقَّ لها إلا أدوات الردع.

من خلال ما نتابعه، يمكن القول إن المواجهة المؤجلة بين واشنطن وطهران لم تعد تحتمل التأجيل لفترات أطول، وإن عام 2026 يجب أن يكون عام الحسم لهذه الأزمة؛ فإما أن تنجح الدبلوماسية في نزع فتيل الانفجار في اللحظة الأخيرة، أو أن المنطقة ستشهد إعادة تشكيل كاملة لخرائط النفوذ عبر فوهة المدافع وقصف الطائرات.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء