نشهد اليوم العديد من التطورات والتغيرات المعرفية والعلمية والتقنية المذهلة وغير المسبوقة، التي من أبرزها سرعة التراكم المعرفي، والنمو الهائل في الاكتشافات العلمية، والثورة المتعاظمة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، التي أصبح العالم في ظلها قرية كونية صغيرة. كان لهذه التغيرات انعكاسات مؤثرة في السياق التربوي، أدت إلى العديد من المراجعات لوظائف المؤسسات التربوية والتعليمية، كي تتحمل مسؤوليات واسعة وحيوية أكثر من أي وقت مضى، من أجل مواجهة فيض المتغيرات والمستحدثات وطوفان التكنولوجيا.
ولأن المنهج التربوي مكانة إستراتيجية في العملية التعليمية، فلا يقوم إصلاح التعليم إلا بتحسين المناهج وتجديدها وتطويرها، وتعد هذه العملية جوهرية، تنطلق من القيم الحضارية للمجتمع، وتستجيب لمتطلبات التنمية والتطلعات الداخلية والخارجية لهذا المجتمع. بيد أن النمو غير المسبوق للمعارف، والتطور السريع الذي يشهده عالمنا المعاصر في مختلف العلوم، يزداد تعقيدًا باستمرار، وإن فائقية التخصص المتمثلة في تشعب الفروع المعرفية، وما ظهر على إثرها من تقسيم مفرط للعمل، أنتج تكريسًا لعزلة فكرية شكلت حائلًا أمام طموحات الباحثين، المتمثلة في تبادل المعارف والدمج بينها لتعميم فائدة ما وصلت إليه العلوم من تجارب وحقائق. من هنا نشأت مبررات الاتجاه نحو فكرة التكامل المعرفي، والتي تجلت في ظهور مقاربات جديدة تقوم على تعددية التخصصات، تهدف إلى التعامل مع مكونات النظام التربوي ـ المتغير هو الآخر باستمرار ـ على ضوء مجموعة من التخصصات العلمية والمعرفية المتداخلة والمتقاطعة، لتشكل اتجاهًا أكثر مرونة وانفتاحًا وموسوعية، وتمكين المتعلمين من فهم الظواهر في سياقها المركب، وتأثيراتها المتبادلة، كما هي في الواقع.
ومما لا شك فيه أن التعلم عبر التخصصات يوسع معرفة الطلاب ومهاراتهم بفعالية، ويجمع بين التخصصات الأكاديمية المختلفة لتطوير التفكير النقدي والإبداعي، ورغم التحديات يقدم فوائد كبيرة للطلاب في عالم متغير، فضلًا عن أن هذا النهج يساعد الطلاب على ربط المعرفة وتطوير مهارات التفكير، ويجعلهم أقدر على مواجهة التحديات المعقدة في المستقبل.
وتشير الأبحاث إلى أن التعلم عبر التخصصات يعزز التعاون والابتكار، حيث إن هذه المهارات ضرورية في سوق العمل المتنامي؛ لذلك ظهرت حتمية أن تكون خلاصة التعلم عبر التخصصات جزءًا أساسيًا من المناهج الدراسية، من منطلق كونه يزود الطلاب بالمعرفة والمهارات اللازمة للنجاح مستقبلًا.
وهذا النهج التعليمي يدمج المعارف من مختلف المجالات الأكاديمية، ويقدم منظورًا شاملًا حول موضوع معين، مركزًا على التكامل بين التخصصات بدلًا من دراستها بشكل منفصل، حيث إنه يساعد الطلاب على تطوير مهارات التفكير النقدي والإبداعي، ويعزز قدرتهم على حل المشكلات المعقدة التي تتطلب مدخلات متنوعة، ويسهم ذلك في إعداد الطلاب بشكل أفضل للتحديات المستقبلية في عالم متغير ومتشابك.
وكي يُطبق التعلم عبر التخصصات في الفصول الدراسية، يمكن إدراج مواضيع متعددة التخصصات في المناهج الدراسية، وتشجيع الطلاب على إجراء مشاريع بحثية تجمع بين مجالات مختلفة، مع تشكيل فرق عمل متنوعة لحل مشكلات معقدة، وهنا نجد تداخل التخصصات يعبر الحدود التقليدية بين التخصصات الأكاديمية أو المذاهب والمدارس. وقد حدث ذلك بسبب ظهور احتياجات جديدة ومهن جديدة أيضًا، في الأصل ظهر كتطبيق مصطلح متعدد التخصصات داخل المجالات التربوية والتعليمية والتدريبية لوصف الدراسات التي تستخدم أساليب ورؤى هذه التخصصات الناشئة أو عدة ميادين من الدراسة التقليدية. وتشمل الحقول المتداخلة، أو تعددية التخصصات، الجميع من الباحثين والطلاب والمعلمين، من أجل تحقيق أهداف ربط ودمج العديد من المدارس الأكاديمية والفكرية والمهن، أو تقنيات الاختصاصات المتعددة، جنبًا إلى جنب مع وجهات نظرهم الخاصة في السعي لتحقيق المهمة المشتركة.
وفي الأخير… منذ الثورة الصناعية وإلى عصرنا هذا، فقد شهد عالمنا انفجارًا معرفيًا هائلًا، صحبه تدرج في الفصل بين مختلف الفروع المعرفية والمناهج، أضحى فيه الفكر الموسوعي أمرًا مستحيلًا، بالمقابل أنتج هذا التخصص المعرفي تكريسًا لعزلة فكرية شكلت حائلًا دون تحقيق تطلعات المجتمعات الإنسانية عمومًا.
من أجل هذا، تعالت في الوقت الراهن نداءات تنادي بالجمع والدمج بين مختلف المعارف الإنسانية، والغرض العودة إلى إقرار وحدة المعرفة وتكاملها، والتي صارت على حد تعبير الفيلسوف "هربرت ماركوز" مهددة في زمن الإنسان ذي البعد الواحد. فسبيلنا الأوحد لتخطي هذه المعضلة أن فروع المعرفة يجب أن يُربط بعضها مع بعض، تصديقًا لرؤية "أندريه بورغينيون" أن تعددية التخصصات تصبح عندئذ ضرورة نظرية وعملية، كما يرى أن استمرارية هذا التفكير في وحدة المعرفة يوصل إلى اجتياز هذه التخصصات وتخطيها من أجل إيجاد رؤية جديدة للإنسان.