رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مستقبل نفط فنزويلا بين مطرقة الأزمة السياسية وسندان الأطماع الدولية

مادورو وترامب
مادورو وترامب

تحت أنظار العالم، تتسارع الأحداث في فنزويلا وسط عاصفة من الصراعات الجيوسياسية، فبعد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أصبح الحديث عن مصير ثروات البلاد الطبيعية – وعلى رأسها النفط – حديث الساعة. 

ومن هنا تبدأ خريطة المصالح الدولية في التبلور، مع تزايد التنافس على أكبر احتياطي نفطي في العالم، وسط تساؤلات عن الأطراف الرابحة والخاسرة في هذا الصراع، وبدأت ملامح المعادلة الجيوسياسية تتضح أكثر، حيث ظهرت خريطة جديدة للمستفيدين والخاسرين، وأطراف عالقة في المنطقة الرمادية التي ينتظر الجميع رؤيتها تنكشف.

 

تعتبر فنزويلا صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم، إلا أن إنتاجها الحالي لا يتجاوز مليون برميل يوميًا، بسبب سنوات من الفساد والإهمال في ظل حكم مادورو. 
 

وقد يحتاج قطاع النفط الفنزويلي المتهالك إلى استثمارات ضخمة تقدر بأكثر من 100 مليار دولار لإعادة تأهيله، وهو ما سيستغرق سنوات طويلة، بحسب تقديرات "بلومبرغ". لكن هل ستنجح الولايات المتحدة في الهيمنة على هذا الكنز النفطي المفقود؟

 

الولايات المتحدة: الرابح الأكبر

 

منذ بداية الأزمة، تعد الولايات المتحدة من أبرز الأطراف المستفيدة. على الصعيد الاقتصادي، تستفيد واشنطن من تعزيز أمنها الطاقي، خاصة مع تعافيها من أزمة إمدادات النفط الثقيلة التي تعتمد عليها مصافي خليج المكسيك. 

حيث تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الواردات من النفط الفنزويلي ارتفعت إلى 416 ألف برميل يوميًا في يناير 2025، مقارنة بـ 132 ألفًا في 2023.

 

وعلى المستوى السياسي، يتيح للولايات المتحدة استعادة نفوذها في أميركا اللاتينية، مع تقييد خصومها مثل الصين، التي كانت تستورد نحو 470 ألف برميل يوميًا من النفط الفنزويلي. 

هذه السيطرة على نفط فنزويلا قد تعيد رسم موازين القوى في نصف الكرة الغربي لصالح واشنطن، بما يتماشى مع شعار "أميركا أولاً" الذي يروج له الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

 

شركات النفط الأمريكية

 

تُعتبر شركة "شيفرون" من الشركات الأميركية الأكثر استعدادًا للاستفادة من الأزمة الفنزويلية. فهي تملك بالفعل ترخيصًا أميركيًا يسمح لها بالحفر وتصدير النفط من فنزويلا، وهو ما يجعلها في وضع قوي إذا تم توسيع نطاق السيطرة الأمريكية على البلاد. بالإضافة إلى "شيفرون"، هناك أيضًا شركة "كونوكو فيليبس" التي تمتلك ديونًا ضخمة مستحقة لها من فنزويلا.

 

لكن رغم ذلك، تظل الشركات الكبرى مثل "إكسون" غير متحمسة للعودة إلى البلاد بسبب الأطر القانونية غير المستقرة، وهو ما يعكس حالة عدم اليقين التي تسيطر على قطاع النفط في فنزويلا.

 

غيانا: بديل فنزويلا النفطي

 

في الوقت الذي تتراجع فيه صناعة النفط الفنزويلية، تتطلع غيانا إلى أن تكون البديل الرئيسي في أميركا اللاتينية. اكتشافات ضخمة في حقول ستابرويك البحرية، بقيادة شركة "إكسون موبيل"، جعلت من غيانا وجهة مفضلة للاستثمارات، ما أدى إلى نمو سريع في إنتاج النفط. لكن غيانا تواجه تحديات سياسية تتمثل في النزاع الحدودي المستمر مع فنزويلا على إقليم إيسيكيبو، الذي قد يقوّض استقرار هذه الاستثمارات.

 

كندا: "متنفس" مؤقت

 

كندا أيضًا تستفيد، ولكن لفترة محدودة. صادرات النفط الكندي إلى الولايات المتحدة، والتي تجاوزت 4 ملايين برميل يوميًا، توفر للولايات المتحدة إمدادات مستمرة في حال حدوث أي خلل في الإنتاج الفنزويلي. لكن بمجرد استقرار الأوضاع في فنزويلا، قد تتقلص هذه الاستفادة لصالح النفط الفنزويلي.

 

منتجو "أوبك+": تماسك الأسعار

 

في ظل تراجع إنتاج فنزويلا، يستفيد منتجو النفط في تحالف "أوبك+" من تعويض هذا التراجع، مما يساهم في رفع أسعار النفط بشكل طفيف. ومع تصاعد المخاوف بشأن اضطراب إمدادات النفط الفنزويلي، صعدت أسعار النفط بشكل فوري بعد اعتقال مادورو، ما يعكس تأثر السوق العالمي.

 

الصين: الخاسر الأكبر

 

على الجانب الآخر، تعتبر الصين من أكبر الخاسرين في هذه الأزمة. فمن ناحية، ستتقلص فرصها في السيطرة على النفط الفنزويلي، الذي كان يشكل جزءًا كبيرًا من وارداتها. كما أن العقوبات الأمريكية وتفاقم الوضع في فنزويلا قد يجعل من الصعب على الصين استيراد كميات كبيرة من النفط الفنزويلي، ما يضعف نفوذها في المنطقة.

 

روسيا: تراجع النفوذ

 

أما روسيا، التي كانت تلعب دورًا رئيسيًا في دعم فنزويلا، تجد نفسها في موقف صعب أيضًا. العقوبات الأمريكية وتراجع إنتاج النفط في فنزويلا قد يعيقان قدرة موسكو على استخدام النفط الفنزويلي كوسيلة للضغط على الولايات المتحدة، مما يجعل الأزمة الفنزويلية خاسرة بالنسبة لها على المدى الطويل.

 

كوبا وإيران: حلفاء في الأزمة

 

فنزويلا لا تمثل فقط ساحة لصراع القوى الكبرى، بل هي أيضًا مركز اهتمام للدول الحليفة مثل كوبا وإيران. بالنسبة لكوبا، تعد فنزويلا شريكًا أساسيًا في تزويدها بالوقود والمساعدات الاقتصادية. أما إيران، فهي ترى في فنزويلا منصة استراتيجية لتعزيز نفوذها في أميركا اللاتينية، وهو ما يعكس الدور المحوري الذي تلعبه هذه العلاقة في استراتيجية طهران.

 

 فنزويلا على مفترق طرق

 

في النهاية، تقف فنزويلا الآن على مفترق طرق، بين إمكانية استفادتها من الدعم الأميركي لإحياء صناعتها النفطية، أو الدخول في دوامة من الفوضى التي قد تجر البلاد إلى مزيد من الانهيار.
 

 إذا تمكن النظام الانتقالي بقيادة ديلسي رودريغيز من التكيف مع الأوضاع الجديدة، فقد تعود البلاد لتكون قوة نفطية، لكن في ظل النفوذ الأميركي الكامل. أما إذا استمرت الفوضى، فقد تخسر فنزويلا كل شيء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء