ياسر الغبيري: المجذوب في السينما المصرية صوت الحكمة والضمير الغائب
يمثل كتاب «مجاذيب السينما» محاولة جادة لقراءة أحد أكثر الأنماط الإنسانية حضورًا في السينما المصرية، وهي شخصية «المجذوب» أو «المجنون»، تلك الشخصية التي كثيرًا ما ظهرت على هامش السرد السينمائي، بينما لعبت في أحيان كثيرة أدوارًا محورية في تحريك الأحداث وكشف التناقضات الاجتماعية، الكتاب يتتبع تطور هذه الشخصية ودلالاتها الفنية والفكرية عبر عدد كبير من الأفلام المصرية.
وفي حوار خاص لـ "إيجبتك"، يتحدث الكاتب الصحفي ياسر الغبيري عن أسباب اختياره للعنوان، ورؤيته لشخصية المجذوب في السينما، وكيف تحولت هذه الشخصية إلى صوت للحكمة والضمير، فضلًا عن طقسه الإبداعي ودوافعه للاستمرار في الكتابة.
لماذا اخترت «مجاذيب السينما» عنوانًا للكتاب؟ وما دلالته؟
كلمة «المجذوب» كلمة شائعة في الثقافة المصرية، وتطلق على كل شخص غير متزن أو فاقد للعقل أو "متخبط"، وفي اعتقادي، هي الكلمة الأنسب لجميع الشخصيات السينمائية التي يتناولها الكتاب، فجميع هذه الشخصيات مجاذيب بدرجة أو بأخرى.
ما الذي دفعك لاختيار شخصية «المجنون» كمدخل لقراءة السينما المصرية؟ وهل تعتقد أنها أكثر الشخصيات ظلمًا في التلقي النقدي؟
شخصية المجذوب شائعة في السينما المصرية، كما هو الحال في الواقع المعاش، فلا يكاد يخلو حي سكني أو منطقة شعبية من نموذج أو شخصية مجذوب، وقدمت السينما المصرية هذه الشخصية بمستويات مختلفة، نراها في أفلام مثل قنديل أم هاشم، يوميات نائب في الأرياف، حسن ونعيمة، سلامة في خير، لو كنت غني، وغيرها.
هذه الشخصية محيطة بنا ونراها طوال الوقت، ورغم أهمية دورها ومحوريتها، لم يتطرق إليها أحد بالدراسة. فجاء هذا الكتاب للوقوف على ماهية هذه الشخصية ومدى فاعليتها وتأثيرها في سير الأحداث، وقد قسمت شخصية المجذوب في السينما إلى أربعة مستويات.
في كتابك تطرح الجنون كصوت للحكمة والضمير، كيف انعكس هذا التصور في نماذج سينمائية بعينها؟ وهل تغير هذا الدور عبر العقود؟
نعم، نجد مثلًا في فيلم يوميات نائب في الأرياف شخصية الشيخ عصفور، مجذوب القرية، الذي يمثل صوت الحكمة، وتستعين به جهات التحقيق للكشف عن بعض الجرائم التي يشوبها الغموض.
كما نجد شخصية أبو النضر في فيلم المولد، وهو خازن الحقيقة والعالم الوحيد بسر الطفل المخطوف، وحين يسأله صاحب المطعم إن كان يريد المخ، يخبره بأنه لا يحتاج إلا إلى اللسان، في دلالة واضحة على خرسه وعدم قدرته على النطق بالحقيقة.
ومع مرور الوقت لم تتغير طبيعة شخصية المجذوب، وربما أفردت لها مساحة أكبر وأصبح دورها أكثر محورية، كما في شخصية الشيخ «حندس» في فيلم الباب الأخضر، التي تمتلك حضورًا قويًا نابعًا من قدرتها على استشراف المستقبل وقراءته.

لماذا تلجأ السينما المصرية دائمًا إلى «المجنون» ليقول ما لا يستطيع العقلاء قوله؟ وهل هو انعكاس لعجز المجتمع أم ذكاء فني مقصود؟
ليس كل مجذوب مجنونًا بالضرورة، وكما أوضحت في الكتاب، هناك أربعة مستويات لشخصية المجذوب.
المستوى الأول هو المجذوب بالمفهوم الصوفي، وهو يمتلك من العقل والحكمة والبصيرة ما لا يمتلكه غيره، مثل الشيخ خندس في الباب الأخضر، والشيخ عصفور في يوميات نائب في الأرياف، والشيخ عبد الله الدرويش في تنابلة السلطان.
المستوى الثاني هو المختل عقليًا أو المريض نفسيًا، سواء ولد بهذا الخلل أو أصيب به نتيجة حادث، مثل شخصية سلوى في خلي بالك من عقلك، وفتحي العبيط في العبيط والحرامي، ومبروك في مبروك وبلبل، حيث تكون الشخصية فاقدة للعقل بشكل جزئي أو كلي.
المستوى الثالث هو شخصية الدجال، التي تدّعي امتلاك الكرامات والبركات لتحقيق مكاسب مادية واجتماعية، مثل الشيخ رمضان في الأرض، وحمزة البهلوان في ساحر النساء.
أما المستوى الرابع فهو شخصية المتسول، التي قد تجمع بين كل المستويات السابقة، فتدّعي الجنون أو الجذب للحصول على المساعدات، مثل حامل البخور في جري الوحوش، والمتسول في سلامة في خير.
هل يمكن اعتبار شخصيات «المجانين» في السينما نوعًا من التمرد على السلطة الاجتماعية والسياسية؟
الشخصيات تختلف مستوياتها وأدوارها من فيلم لآخر، فنجد مثلًا شخصية «قفة» في فيلم درب المهابيل تعرّي المجتمع وتكشف زيفه، فالذين نبذوه هم أنفسهم من تكالبوا عليه وأحاطوا به لمجرد حصوله على اليانصيب وتحوله إلى صاحب مال.
ما الطقس الإبداعي الذي لا تتخلى عنه عند الكتابة؟
لا يوجد لدي طقس محدد، فعندما أبدأ العمل على مشروع ما يحيطني من كل اتجاه ولا أستطيع الفكاك منه حتى أنجزه.. في كتاب مجاذيب السينما كنت أواصل الليل بالنهار بين مشاهدة الأفلام وتدوين الملاحظات وإعادة المشاهدة للكتابة والمقارنة بين الشخصيات.. أنا أؤمن بالاجتهاد في العمل وأكتب بغض النظر عن الظروف.
ما الأشياء التي تلهمك وتدفعك للاستمرار في الكتابة؟
حب المعرفة والاكتشاف هو أكبر دافع بالنسبة لي، وهو ما يجعل تجربة الكتابة ممتعة في كل مرة، فالكتابة في ذاتها مُلهمة، أكتشف من خلالها موضوعات ومناطق لم أفكر في الوصول إليها، لأن الكتابة الجادة لا تكون دون بحث، والبحث هو أول خطوة على طريق المعرفة.

عن ياسر الغبيري
ياسر الغبيري صحفي وكاتب وناقد أدبي، حصل على ماجستير في النقد الفني بالمعهد العالي للنقد الفني التابع لأكاديمية الفنون، له العديد من المقالات والدراسات النقدية المنشورة في صحف ومجلات ومواقع مصرية وعربية، ويتميز بقدرته على الجمع بين التحليل الأكاديمي الدقيق والأسلوب الصحفي السلس، ما يمنح أعماله بعدًا معرفيًا وعاطفيًا في آن واحد.