تتجاوز الحروب والصراعات المسلحة، في الغالب، الأهداف التي تُشعل من أجلها؛ إذ لا تكاد حرب تندلع إلا وتخلّف وراءها مشاهد واسعة من الدمار والخراب، وتدفع بملايين الأبرياء إلى دوائر اللجوء والنزوح، وهم الذين لا شأن لهم بصراعات لم يختاروها.
وخلال أكثر من خمسة عشر عامًا، شهدت دول عدة في عالمنا الإسلامي حروبًا وصراعات إثنية ودينية وعسكرية ضارية، استنزفت مقدّراتها، ومزّقت نسيجها الاجتماعي، وأضعفت قدراتها الدفاعية، وأخلّت بتوازن القوى بينها وبين محيطها الإقليمي.
ولم تتوقف التداعيات السلبية لهذه الحروب عند حدود الخسائر المادية والبشرية فحسب، بل امتدت إلى ما هو أشد خطورة، حيث أسهمت في تآكل ثقة الأجيال الجديدة بمنظومة القيم والمبادئ التي ظلّ النظام الدولي يرفع لواءها ويعلن الالتزام بها منذ تأسيس منظمة الأمم المتحدة، الأمر الذي يثير تساؤلات عميقة حول مصداقية تلك القيم وقدرتها على حماية السلم والعدالة في عالم مضطرب.
غير أن الخطر الأعمق يتمثل في الضرب المباشر للنسيج المجتمعي في الدول المستهدفة، عبر إذكاء الأحقاد وتعميق الانقسامات، وتوسيع دوائر العداء بين أبناء الأمة الواحدة والوطن الواحد، بحيث تنكفئ كل جماعة على هويتها الفرعية، وتبحث عن شعور بالأمان تحت رايتها الضيقة، بدلًا من الاحتماء بمظلة المواطنة الجامعة. وقد تجلّى هذا المشهد بوضوح في عدد من مجتمعاتنا العربية ذات الطابع التعددي، مثل العراق ولبنان وسوريا.
فهذه المجتمعات الشقيقة تمثّل نماذج مصغّرة للتركيبة السكانية والدينية والعرقية في منطقة الشرق الأوسط، بما تحمله من تنوّع واسع يضم مسلمين ومسيحيين، وسنّة وشيعة، وعربًا وأتراكًا وأكرادًا... وقد ظلّ هذا التنوّع، عبر مراحل طويلة من التاريخ، مصدر ثراء وقوة، قبل أن تعمل قوى طامعة في مقدّرات عالمنا العربي، وبما يخدم مصالح الكيان المغتصب، على تحويله إلى أداة للانقسام وعامل تهديد للاستقرار ولأسس العيش المشترك.
وفي هذا السياق، أسهمت سياسات الخداع التي انتهجتها بعض القوى المحتلة تجاه تكوينات إثنية بعينها، من خلال منحها امتيازات خاصة على حساب مكوّنات أخرى، في تنبيه الجماعات المهمّشة إلى اختلافاتها، ودفعها إلى استعادة هوياتها الإثنية والثقافية بوصفها وسيلة دفاع عن الذات.
وقد أفضى هذا المسار، في أحد وجوهه، إلى تشكّل ثقافات فرعية ارتدت ثياب الهويات السياسية، وانتقلت من إطارها الثقافي الطبيعي إلى ساحات الصراع السياسي.
ولم يقف أثر هذه السياسات عند حدود إعادة إحياء الهويات الفرعية، بل أدّى كذلك إلى إبراز الخلافات بين أبناء الوطن الواحد، وصولًا إلى وعي بعض الهويات الثقافية بذاتها باعتبارها جماعات متميزة داخل المجتمع. وبهذا التحول، لم تعد الثقافة السائدة عنصرًا مساعدًا على التماسك الوطني، بل تحوّلت في نظر كثيرين إلى جزء من الإشكال القائم، ما أسهم في إرباك المسارات التي تشكّلت عبرها الأمم والدول، وإضعاف بنيتها، وجعلها محلّ تساؤل وجدال مستمرّين.
ومع تسارع هذه التحولات، ولا سيما منذ النصف الثاني من القرن العشرين، تأثر الفكر المعاصر بصعود تيارات ما بعد الحداثة التي اكتسبت زخمًا متزايدًا في مواجهة الحداثة، ولم يقتصر حضورها على المجال الفكري فحسب، بل امتد بثقل ملموس إلى المجال السياسي.
وقد أسهم ذلك في إعادة الاعتبار لمفهومي التنوّع والتعددية بوصفهما قيمتين مركزيتين، في مقابل مفاهيم التجانس والتطابق التي سعت الدول القومية إلى ترسيخها أساسًا لبناء الأمة وتوحيدها.
تقف أمتنا العربية اليوم عند منعطف بالغ الخطورة، ولا يبدو أن أمامها خيارًا سوى رفع شعار الوعي على مختلف المستويات؛ وعيٌ بطبيعتها وخصوصيتها التعددية، ووعي بطبيعة التحديات، وبحجم ما يُحاك للمنطقة في زمن لم يعد فيه التعبير عن الطمع والاستحواذ على مقدّرات الدول يُمارَس في الخفاء، بل يُعلن صراحة على الشاشات، بكل أريحية ودون مواربة أو خجل.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تبرز التجربة المصرية في إدارة التنوّع وترسيخ قيمة المواطنة، ونبذ مصطلح "الأقلية"، بوصفها نموذجًا حيًا تتجلّى آثاره القريبة والبعيدة على حد سواء.
وهي تجربة جديرة بالتأمل والاستفادة، ويمكن لعالمنا العربي أن يستلهم منها مسارًا يعزّز التماسك الوطني، ويحصّن المجتمعات في مواجهة محاولات التفكيك والانقسام.