رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في حفلات كوكب الشرق أم كلثوم، لم يكن الجمهور مجرد متلقٍ، بل عنصرًا فاعلًا في التكوين الفني، يجلس في صفوف متراصة وتشعر أنه جزء من الكورال أو الفرقة الموسيقية المصاحبة للست، صرخاتهم لم تكن عبئًا يشوش على الأداء، بل وقودًا للإبداع والسلطنة، تندفع الست بعد سماعهم إلى مغامرة صوتية وكسر قواعد الأداء وإعادة تشكيل اللحن مع كل مرة تعيد فيها الست المقطع أو الكوبليه الذي صاح بسببه الجمهور.

هكذا، لم تكن أم كلثوم وحدها على المسرح، بل كانت تقف ومعها جمهور كامل، يتنفس معها، ويقودها، وتقوده في طقس فني وحالة لا تتكرر.

عالم "مهاويس الست" لم يكن مجرد دائرة من المعجبين، بل كيان شديد الخصوصية، تتداخل فيه الموسيقى بالتصوف، والإنصات بالوجد، والذاكرة بالطقس، بطانة لم تصنعها الست كما يصنعها كبار النجوم في الغناء والإنشاد وتلاوة القرآن، بل محبين بدرجة مهاويس، ومعجبين بمكانة المحبين، صنعت معهم أم كلثوم حالة روحانية كاملة يُحفظ فيها النفس قبل الكلمة، والتنهد قبل المعنى، هؤلاء لم يكونوا مستمعين عاديين، بل حراس تراث غنائي امتد لأكثر من 50 عامًا، وحدهم يملكون قدرة التمييز بين قفلة وأخرى، وبين حفلة وأختها، وكأنهم شهود عصر من الغناء.

في الصفوف الأولى من حفلات أم كلثوم، كان يجلس سميعة هم جزء من سيرة الست، أسماؤهم لم تُكتب على أفيشات الحفلات، لكنها حُفرت في التسجيلات والذاكرة.

أشهرهم الحاج سعيد الطحان، تاجر القطن القادم من طنطا، الذي لُقّب بـ"مجنون الست"، لم يكن يكتفي بحضور حفلة أو اثنتين، بل كان يطوف خلفها في محافظات مصر والعواصم العربية، حتى قيل إنه أنفق ثروة كاملة ليحجز دائمًا مقعد الصف الأول، تعرفه من صرخته الشهيرة: "تاني يا ست.. ده أنا جايلك من طنطا!" الجملة التي تحولت إلى أيقونة تختصر معنى الهوس بالست وصوتها.

ينافسه في هذا الهوس الحاج "أبو شقرة" صاحب المطاعم المعروفة، واحد من الوجوه الدائمة، ويُروى أن وجوده كان يمنح أم كلثوم طمأنينة خاصة على المسرح.

وهناك أيضًا "السميع المنتشي" صاحب العبارة المسجلة في أكثر من حفلة: "يا أرض احفظي ما عليكي"، تلك الصرخة التي خرجت من فرط الهوس، لا من مجرد الإعجاب.

الاستماع للست له طقس وقواعد، في المقاهي القديمة، كان "السميعة" يفرضون صمتًا إجباريًا أثناء الغناء، ومن يجرؤ على الكلام خلال كوبليه كان يمكن طرده، فانشغال السميعة لم يكن باللحن بقدر اهتمامهم بكيف ستعيد أم كلثوم الجملة في المرة الثانية والثالثة.

ومن منطلق هذا الحب وُلدت مجتمعات خاصة لجمع التسجيلات النادرة للحفلات الحية، حيث تختلف الأغنية الواحدة من ليلة إلى أخرى، بحثًا عن لحظات "سلطنة" إضافية لا توجد في تسجيلات الاستوديو.

بعد أكثر من خمسين عامًا على رحيلها، لا تزال جمعية محبي أم كلثوم في القاهرة تجمع فنانين ومثقفين وبسطاء، يلتقون لتحليل أغانيها وإحياء ذكراها.

أما متحف أم كلثوم في الروضة، فقد تحوّل إلى قبلة لهؤلاء المهاويس، يقفون أمام فساتينها، ومنديلها الشهير، ونظارتها المرصعة، كما لو كانوا في زيارة مقام مقدّس، لا مجرد متحف.

 

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء