رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم يكن صعود دونالد ترامب إلى سُدّة الحُكم في الولايات المتحدة حدثًا عاديًا في تاريخ السياسة الأمريكية، بل مثّل لحظة كاشفة لتحوّل أعمق في بنية النظام الدولي نفسه. فخلال سنوات حُكمه، لم يتعامل ترامب مع القانون الدولي باعتباره إطارًا ناظمًا للعلاقات بين الدول، بل نظر إليه كقيدٍ يحدّ من حرية الحركة الأمريكية، وكعائقٍ أمام تحقيق المصالح القومية وفق منطق القوة الصرفة. ومن هنا، لم تكن سياسة "أمريكا أولًا" مجرد شعار انتخابي، بل فلسفة حُكم أعادت تعريف العلاقة بين القوة والشرعية على المستوى الدولي.

أولًا: "أمريكا أولًا" ومنطق تجاوز القواعد
انطلق ترامب من رؤية ترى أن الولايات المتحدة تتحمّل أعباء نظام دولي لا يخدم مصالحها بالقدر الكافي.
في هذا السياق، اعتبر الاتفاقيات الدولية، والمؤسسات متعددة الأطراف، والالتزامات القانونية، عبئًا غير مبرر، وليس ضمانة للاستقرار العالمي. وبدلًا من الالتزام بالقواعد المشتركة، فضّل منطق الصفقة: ما الذي سأربحه الآن؟ وما الذي يمكنني فرضه بحكم القوة؟
هذا التحوّل مثّل انتقالًا واضحًا من الشرعية القانونية إلى الشرعية الواقعية القائمة على ميزان القوة، حيث تصبح القواعد مرنة أمام الدولة الأقوى، بينما تُفرض بصرامة على الدول الأضعف.

ثانيًا: الانسحاب من الاتفاقيات… تقويض للالتزام الدولي
اتّخذت إدارة ترامب سلسلة قرارات بالانسحاب من اتفاقيات دولية محورية، من بينها:
الاتفاق النووي مع إيران، اتفاق باريس للمُناخ، الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تعليق أو تقليص الالتزامات تجاه منظمات دولية مختلفة.

هذه الانسحابات لم تكن مجرد قرارات سياسية، بل رسائل واضحة بأن الالتزام الدولي ليس ملزمًا إذا تعارض مع المصلحة الأمريكية الآنية.
وهو ما أضعف فكرة استمرارية الاتفاقات، وفتح الباب أمام دول أخرى للتشكيك في جدوى الالتزام بالقانون الدولي.

ثالثًا: القدس والجولان… السياسة فوق القانون
مثّلت قرارات الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وبالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، ذروة هذا التوجّه. فهذه القرارات جاءت في تعارض صريح مع قرارات مجلس الأمن، ومبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وهو أحد أعمدة القانون الدولي المعاصر.
في هذه الحالة، لم تسعَ إدارة ترامب إلى إعادة تفسير القانون، بل تجاهلته تمامًا، معتمدة على الأمر الواقع وقوة النفوذ السياسي، وكأن الشرعية تُصنع بالاعتراف الأمريكي لا بالقواعد الدولية.

رابعًا: من التعددية إلى الأحادية
تقليديًا، لعبت الولايات المتحدة دورًا مركزيًا في بناء النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت – نظريًا على الأقل – راعية لفكرة التعددية واحترام المؤسسات الدولية.
لكن في عهد ترامب، تراجع هذا الدور لصالح الأحادية الصلبة، حيث:
تُهمَّش المؤسسات الدولية، تُضعَف التحالفات التقليدية، ويُستخدم الضغط الاقتصادي والعقوبات كأدوات سياسية خارج إطار الإجماع الدولي.
هذا التحول لم يُضعف القانون الدولي فقط، بل أضعف أيضًا الثقة في الدور الأمريكي نفسه كقائد للنظام العالمي.

خامسًا: هل كان ترامب استثناءً أم كاشفًا للأزمة؟
رغم الطابع الصدامي لسياسات ترامب، إلا أن السؤال الأهم ليس ما فعله، بل ما كشفه.
لقد أظهر ترامب أن القانون الدولي يفتقر إلى آليات ردع حقيقية حين يتعلق الأمر بالدول الكبرى، وأن احترام القواعد غالبًا ما يكون اختياريًا لا إلزاميًا.
وبهذا المعنى، لم يصنع ترامب أزمة القانون الدولي، بل سلّط الضوء على هشاشته، وعلى التناقض البنيوي بين مبدأ المساواة القانونية بين الدول، وواقع التفاوت الفعلي في القوة.

سادسًا: التداعيات على النظام الدولي
أدّت سياسات ترامب إلى:
إضعاف الثقة في الاتفاقيات الدولية، تشجيع منطق القوة لدى فاعلين دوليين آخرين، زيادة حالة السيولة وعدم اليقين في النظام الدولي، وفتح نقاش عالمي حول مستقبل القانون الدولي وجدواه.
فحين ترى الدول أن القواعد تُكسر بلا محاسبة، يصبح الالتزام بها خيارًا أخلاقيًا لا قاعدة سياسية.

سابعًا: حين تغيب الشرعية… من يحمي النظام الدولي؟
تكشف تجربة ترامب مع القانون الدولي عن معضلة جوهرية:
هل يقوم النظام الدولي على القواعد أم على القوة؟
وإذا كانت القوة هي الحكم النهائي، فما جدوى الشرعية القانونية؟
لقد قدّم ترامب نموذجًا صريحًا لسياسة لا تتخفّى خلف الخطاب القانوني، بل تعلن بوضوح أن المصلحة أولًا، والقانون حين يسمح بذلك. وهو نموذج قد يكون الأكثر خطورة، لأنه لا يخرق القواعد خفية، بل يفعل ذلك علنًا، ممهّدًا الطريق لعالمٍ تصبح فيه القوة هي القانون، ويغيب فيه السؤال الأهم:
من يحمي الشرعية حين تتخلى عنها القوى الكبرى؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء