بنت المؤذن وابن الفلاح.. هل تتكرر مأساة "عبد الحميد شتا" في جامعة سوهاج؟
حالة من الجدل شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي في مصر خلال الساعات القليلة الماضية بعد انتشار قصة لطالبة تدعى سها إبراهيم حاصلة على المركز الأول على دفعتها بقسم اللغة الفارسية (دفعة 2024/2025) بكلية الألسن جامعة سوهاج اتهمت فيه إدارة الجامعة بمنع تعيينها كمعيدة بزعم أن أبوها "مؤذن".
وأثارت عبارة "بنت المؤذن لا تصلح أن تكون معيدة" التي نقلتها سها على لسان أحد مسؤولي جامعة سوهاج جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي خاصة أن سها هي الأولى على دفعتها على مدار أربع سنوات فضلا عن المكانة التي يحظى بها المؤذن في الإسلام.
استغاثة تشغل مواقع التواصل
وعبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، أطلقت سهى نداء استغاثة مطالبة الجهات المختصة بالتدخل لحل مشكلة رفض تعيينها معيدة بالكلية، مرفقة درجاتها وتقديرها وكافة الأدلة التي تثبت أحقيتها في الحصول على الوظيفة.

وأشارت إلي انها حاولت مرارًا مقابلة رئيس الجامعة، لكنها لم تجد استجابة، وتواصلت مع عميد الكلية ورئيس قسم اللغة الفارسية، إلا أن الرد كان صادمًا: "بنت مؤذن لا تصلح أن تكون معيدة.. وما باليد حيلة".
وكانت الطالبة سها إبراهيم، الشهيرة ببنت المؤذن قد قالت في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك" إنها قابلت عميد الكلية الدكتور صبرى توفيق، ثم توجهت إلى مقابلة الدكتور حسين طه حمدى نائب رئيس الجامعة لشئون التعليم والطلاب، ولم تسفر المقابلات عن شىء حتى الآن.
وأشارت أن نائب رئيس الجامعة طلب منها كتابة مذكرة بالقصة، ويتم عرضها على الدكتور حسان النعمانى رئيس جامعة سوهاج للبت فيها، مشيرة إلى أنها سبق وتقدمت بطلب الى المسئولين بالجامعة دون أى رد.
وقالت سها إن الطلب سيكون مصيره الأدراج ولا أعلم ماذا أفعل، مشيرة إلي أن زملائها من الكلية من دفعة 2023/2024 قاموا برفع قضايا على الجامعة تطالب بحقهم فى التعيين، وبالفعل كسبوا القضية، وبالتالى الخطة الجديدة الخاصة بالتعيين والتى لا تتيح التعيين كما تقول إدارة الجامعة أصبحت باطلة طبقًا للأحكام القضائية التى حصل عليها زملائى.
وأوضحت أنها ذهبت إلى عميد كلية الألسن وإلى وكيل الكلية، وأن الزملاء كسبوا القضية، وبالتالى الحجة الخاصة بالخطة الثانية باطلة، وطلبت منهم التعين أسوة بهؤلاء الزملاء.
وأشارت قائلة "مفيش حد عبرنى أو اتخذ أى رد فعل لإرجاع حقي، وحاولت مقابلة رئيس الجامعة ولم أتمكن من مقابلته، وعميد الكلية قال لى: “الموضوع مش فى إيدى”، فلم يكن أمامي سوى التوجه إلى مواقع التواصل الاجتماعي.
جامعة سوهاج ترد
الكلية من جانبها أصدرت بيانًا رسميًا أكدت فيه التزامها الكامل بالقانون، وأن «الخطة الخمسية» هي الفيصل الوحيد في التعيينات، ولا يجوز تجاوزها أو تعديلها.
وأوضح عميد ألسن سوهاج في تصريحات خاصة إلي أن المشكلة في الخطة الخمسية الجديدة المتعلقة بقسم اللغة الفارسية أنه لا توجد تعيينات جديدة للأعوام (2022/2023)، (2023/2024)، و(2024/2025). وللأسف، السنة الأخيرة هي التي تخرجت فيها الطالبة، وبناءً عليه لا توجد درجات وظيفية متاحة في الخطة الحالية.
مصر بين بنت المؤذن وإبن الفلاح
وأثارت الواقعة حالة من الغضب على مواقع التواصل حيث أعرب العديد من النشطاء والشخصيات العامة تضامنهم مع الطالبة.
كما أعرب عددا من المحامين عن تطوعهم لتولي قضية الطالبة المزمع رفعها ضد جامعة سوهاج للمطالبة بحقها في التعيين كمعيدة.
وأعادت قصة سها إبراهيم بنت المؤذن إلي الأذهان واقعة مشابهة شهدتها مصر قبل حوالي ربع قرن وبالتحديد في العام 2003 حينما استيقظت في مصر على خبر انتحار الشاب النابغ وباحث الماجستير عبد الحميد شتا خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بتقدير عام جيد جدا.
وكانت القاهرة قد استيقظت في صباح أحد أيام سبتمبر 2003، على خبر العثور على جثة منتفخة تطفو على شاطئ النيل قرب المعادي، لشاب أسمر البشرة، كمعظم وجوه أبناء الفلاحين في ربوع مصر، تبين فيما بعد أنه الطالب عبد الحميد شتا الذى ألقى صاحبها بنفسه من أعلى كوبري قصر النيل بعد رفض قبوله في اختبارات الدبلوماسيين بحجة أنه "غير لائق اجتماعيا".
وأثارت الواقعة حالة من الصدمة المجتمعية في ذلك الوقت وأصبحت مثالا للطبقية والتمييز بين الفقراء والأغنياء في مصر وتناولتها العديد من الأعمال الفنية فيما بعد.
واعتبر مراقبون أن واقعة سها "بنت المؤذن" قد تكون نسخة جديدة من مأساة عبد الحميد شتا داعين الحكومة للتحرك لمواجهة هذا الأمر.
مصطفي بكري يتبني قضية سها
وأكد النائب البرلماني مصطفي بكري أنه حال ثبوت واقعة الطالبة سها إبراهيم ورفض تعيينها بزعم أنها "بنت مؤذن فنحن قطعا نكرر سيناريو عبدالحميد شتا.
وشدد في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك" على أن مهنة المؤذن ليست عيبا حتي تمنع هذه الطالبة من حقها في التعيين بالجامعة.
وطالب البرلماني من الطالبة أن تتقدم ببلاغ لتثبت فيه حقها مع ضرورة مواجهة من قال لها هذا الكلام، معتبرا أن الأمر خطير ولا يجب أن يمر مرور الكرام.
وأعلن بكري عن استعداده لتبي قضية الطالبة تحت قبة البرلمان ومطالبة وزير التعليم العالي بكشف حقيقة هذه الواقعة ومحاسبة المسؤول عنها .
احتكار الوظائف
من جانبه، انتقد الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي، استمرار ظاهرة "توريث واحتكار الوظائف" والمحسوبية في بعض القطاعات الحيوية بمصر، واصفاً الوضع الحالي بأنه يزداد سوءاً ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص في مقتل.
أكد الدكتور فرويز في تصريحاته أن الكفاءة والمجهود الشخصي يجب أن يكونا المعيار الوحيد للتعيين، وليس "ابن من أنت".
واستشهد بواقعة انتحار الخريج "عبد الحميد شتا" عام 2003 بعد استبعاده من السلك الدبلوماسي، محملًا المسؤولين عن تلك السياسات المسؤولية المعنوية عن ضياع مثل هذه الكفاءات.
القوات المسلحة كنموذج للعدالة
وشدد على ضرورة تعميم هذا النموذج في كافة الوظائف من أساتذة الجامعات إلى القضاة والأطباء لضمان تمثيل حقيقي لمصر.
خطر فقدان الولاء
واختتم فرويز حديثه بالتحذير من أن الشعور بالظلم والتمييز يدفع الشباب إما إلى اليأس والانتحار أو الهجرة للبحث عن وطن آخر يقدر كفاءتهم، مما يؤدي إلى تآكل الولاء والانتماء الذي تطمح إليه "مصر الجديدة".
وطالب كل مسؤول في منصب "رئيس جامعة أو عميد كلية أو رئيس قسم" بمراجعة ضميره والتوقف عن محاباة الأقارب على حساب أبناء الشعب المتفوقين.
أعرب فرويزعن قلقه البالغ إزاء حالة الانهيار الثقافي المتزايد التي يشهدها المجتمع، مؤكداً أن هذه الانهيارات المتلاحقة تؤدي بشكل مباشر إلى تآكل قيم الولاء والانتماء لدى المواطنين.
وشدد الدكتور فرويز على أن حماية الولاء والانتماء تعد من "أهم ركائز الأمن القومي". ودعا الدولة إلى ضرورة التدخل الحاسم والفوري لمنع أي ممارسات أو شبهات قد تؤدي إلى إضعاف شعور المواطن بالانتماء لوطنه، معتبراً أن هذا التدخل أصبح ضرورة حتمية لا تحتمل التأخير.
يربط فرويز بين ما ذكره سابقاً حول غياب تكافؤ الفرص وبين هذه الحالة من التراجع الثقافي، حيث يرى أن غياب العدالة والمساواة يسرع من وتيرة الانهيار المجتمعي.
وأوضح أن المجتمع يواجه تحديات ثقافية جسيمة تتزايد من وقت لآخر، مما يتطلب استراتيجية وطنية شاملة لإعادة بناء الوعي وحماية النسيج المجتمعي من اليأس والإحباط.