تحت المراقبة ( 4 ) : كيف يعيش الإنسان في زمن العيون الذكية !
الدول المتقدمة مثل الصين والولايات المتحدة وسنغافورة وغيرهم شهدت طفرة غير مسبوقة في تقنيات المراقبة البصرية، وقد بدأت بعض هذه الأنظمة المتقدمة في الظهور داخل المدن الذكية الجديدة في مصر، وعلى رأسها العاصمة الإدارية، ولم تعد الكاميرا مجرد أداة تسجيل، بل تحولت إلى منظومة تحليل وتنبؤ قادرة على إعادة تعريف مفهوم الأمن.
ولم تعد الفروق تقنية فقط، بل وظيفية أيضا، فالكاميرات التقليدية تكتفي بالتسجيل، بينما تقوم الكاميرات الذكية بالتحليل وإطلاق التنبيهات تلقائيًا، والبحث اللحظي في البيانات، والعمل بكفاءة في الظلام والضباب والظروف القاسية ، لذلك يتم الانتقال تدريجيًا من " الكاميرا الثابتة " إلى " الكاميرا الطائرة " عبر الطائرات المسيرة (Drones) المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، القادرة على تتبع الأشخاص المستهدفين وتحديد مواقعهم لحظة بلحظة دون تدخل بشري مباشر .
أحدث أجيال كاميرات المراقبة
1- كاميرات الرؤية الليلية الملونة على مدار الساعة (Full-Color 24/7)
في الماضي، كانت الصور الليلية باهتة ومهزوزة، لا تسمح بتحديد ملامح أو ألوان ، لكن اليوم، تعتمد هذه الكاميرات على مستشعرات فائقة الحساسية وعدسات بفتحات واسعة للغاية تمكن المحقق من تحديد لون السيارة أو الملابس بدقة في الظلام الدامس، ما ينقل التحقيق من أوصاف عامة إلى تفاصيل حاسمة.
2- الكاميرات الحرارية المدعومة بالذكاء الاصطناعي (Thermal AI)
هذه الكاميرات لا ترى الضوء، بل تقرأ الحرارة الصادرة من الأجسام ، وهي فعالة في مراقبة الحدود والمنشآت الحساسة، وقادرة على كشف أشخاص مختبئين خلف الأشجار أو في الظلام الكامل، بل وحتى رصد الأسلحة المخبأة أسفل الملابس نتيجة اختلاف البصمة الحرارية.
3- الكاميرات البانورامية بزاوية 360 درجة (PanoVu)
وهي كاميرا واحدة تحل محل عدة كاميرات تقليدية ، لان تغطيتها كاملة دون زوايا ميتة، مع إمكانية التكبير الرقمي على عدة أهداف في وقت واحد دون فقدان الجودة، بفضل دقة تصوير قد تتجاوز 32 ميجا بكسل.
4- كاميرات القياسات الحيوية : الوجه والمشية (Biometrics)
وهي تمثل العمود الفقري لما يُعرف بـ " المدن الآمنة".
وتعتمد على تحويل ملامح الوجه إلى كود رقمي دقيق، وتحليل المسافات بين العينين والأنف والفم ، وأهم ما يميزها هو التعرف على الشخص من خلال مشيته فقط ، حتى لو كان مقنعا أو يدير ظهره للكاميرا.
5- الكاميرات الصوتية (Acoustic Cameras)
وهذا النوع لا يعتمد على الرؤية فقط، في كاميرا تمتلك " آذاناً رقمية وتكمن قيمتها في تحديد مصدر الأصوات غير الطبيعية، مثل إطلاق النار أو الانفجارات أو صرخات الاستغاثة، وتوجيه الكاميرا تلقائياً نحو المصدر مع إرسال إنذار فوري لغرف العمليات.
التحديات الأخلاقية و المجتمع البانوبتيكي
في هذا السياق، نستدعي مفهوم " البانوبتيكون " الذي صاغه جيريمي بنثام وطوره ميشيل فوكو الذي يقول : ليس المهم أن تكون مراقَبا فعليا، بل يكفي أن تشعر بأنك مراقَب طوال الوقت ، هذا الشعور وحده كفيل بتعديل السلوك، وضبط الحركة، وحتى إعادة تشكيل القرارات اليومية، من طريقة المشي إلى اختيار الطريق والمحل.
الشعور بالمراقبة الدائمة قد يغير السلوك الإنساني، ويدفع الأفراد إلى الخوف أو التصنع، بما يمكن ان يقتل العفوية والإبداع
وتظل مخاطر الاختراق السيبراني خطرا دائما فسوف تظل الكاميرات هدفا للهجمات الإلكترونية، وقد يتحول نظام الأمان نفسه إلى أداة تجسس
إذا كانت البيانات التي تتعلم منها الخوارزميات متحيزة، فإن النتائج ستكون متحيزة بدورها، بما يخلق ما يمكن تسميته بـ "العنصرية الرقمية ".
كما ان الذاكرة الرقمية لا تنسى أخطاء الماضي، مهما كانت بسيطة، قد تظل تطارد أصحابها، وتعيق إعادة اندماجهم في المجتمع.
كيف يواجه العالم مخاطر الكاميرات
تحظر معظم المدن العالمية أو تقييد استخدام انواع الكاميرات التي تتميز بالتعرف على الوجوه واصدرت معظم دول العالم كذلك تشريعات صارمة لحماية البيانات، مثل اللائحة الأوروبية لحماية البيانات (GDPR) ، و إدخال معايير التدقيق الأخلاقي داخل شركات تطوير البرمجيات.
الحقوق القانونيه بين الأمن والخصوصية
أمام التوسع في طرق المراقبة يظهر القانون كخط دفاع أخير عن الخصوصية ، و تنص الدساتير العربية، ومنها الدستور المصري (المادة 57)، على حرمة الحياة الخاصة، بما يفرض وجود سند قانوني للمراقبة ، أو أمر قضائي مسبب في الحالات التي تمس الخصوصية مباشرة .
ووضع القانون ضوابط لإستخدام الكاميرات أهمها حظر التسجيل الصوتي دون تصريح والزام مستخدموا الكاميرات بوضع اللوحات التحذيرية و منع توجيه الكاميرات إلى خصوصيات الجيران و تجريم المراقبة المخفية باعتبارها دليلاً على سوء النية و حماية البيانات الشخصية و اعتبار الصورة والوجه بيانات شخصية
ويواجه القانون جميع انواع التلصص والمضايقات و تجريم التتبع البصري المفرط و معاقبة تصوير الأفراد ونشر صورهم دون إذن، حتى في الأماكن العامة واخيرا إقرار "الحق في النسيان " بتحديد فترات زمنية للاحتفاظ بالتسجيلات ثم مسحها .
لكن يبقى التحدي الحقيقي في والوعي والأخلاق والإلمام بالحقوق والواجبات و تظل للتكنولوجيا في ذاتها قيمة وأهمية تتحدد بكيفية استخدامها فـ " كاميرات المراقبة " أنقذت أرواح وحمت ممتلكات في مصر والعالم، لكن الضمان الحقيقي لعدم تحولها إلى أداة قمع يكمن في سيادة القانون، ووجود رقابة قضائية صارمة، وشفافية كاملة في إدارة البيانات.