في المحيط الهادئ، وفي رقعة عظيمة بين هاواي والساحل الغربي للولايات المتحدة، لا تطفو جزيرة بالمعنى الجغرافي، بل تتشكل واحدة من أكثر الظواهر دلالة على اختلال النموذج الحضاري المعاصر: ما يُعرف بـ«الرقعة الكبرى من المخلفات».
هذه الكتلة الهائلة من النفايات البلاستيكية، التي تمتد على مساحة تُقدَّر بنحو 1,6 مليون كيلومتر مربع (أقرب إلى 3 أضعاف مساحة فرنسا!) وتضم ما يربو على 1,8 تريليون قطعة بلاستيكية، ليست حادثًا بيئيًا عابرًا ولا نتيجة خلل طبيعي، بل محصلة منطقية لتراكم قرارات اقتصادية قصيرة الأجل، تجاهلت عمدًا أو سهوًا التكلفة البيئية المؤجلة. فالعالم الذي نجح في تعظيم كفاءة الإنتاج وخفض تكلفته النقدية، فشل في احتساب التكاليف البيئية والاجتماعية، فانتقلت المخلفات من هامش الحسابات إلى قلب الأزمة.
تُظهر البيانات الدولية أن الإنتاج العالمي من البلاستيك قفز منذ منتصف القرن الماضي إلى أكثر من 360 مليون طن سنويًا، وأن الغالبية العظمى منه مخصصة للاستخدام الواحد، أي لمنتجات لا يتجاوز عمرها الوظيفي دقائق أو ساعات، بينما يمتد أثرها البيئي لعقود وربما قرون.
الأخطر أن أقل من خمس هذه الكمية يُعاد تدويره بشكل فعلي، فيما يتسرب الباقي إلى اليابسة والمجاري المائية والبحار، حيث لا يختفي، بل يتفتت إلى جزيئات دقيقة تتسلل إلى السلسلة الغذائية وتستقر في أجساد الكائنات البحرية والإنسان على حد سواء.
نحن إذن أمام اقتصاد خطي بائس، يبدأ بالاستخراج وينتهي بالتخلص غير الحذر، دون حلقة مسؤولة تُغلق دورة الحياة.
هذه الظاهرة تكشف بوضوح عن مأزق إدارة «الموارد المشتركة العالمية».
فالمحيطات لا تخضع لسيادة وطنية مباشرة، ولا توجد سلطة دولية قادرة على فرض التزامات صارمة بشأن المخلفات البلاستيكية، ما يجعلها ساحة نموذجية لما يُعرف اقتصاديًا بمأساة المشاع.
كل دولة تنتج وتستهلك بمنطق منفرد، بينما تتحمل البيئة العالمية التكاليف النهائية. ومع أن أكثر من 90 دولة باتت تدفع اليوم نحو معاهدة دولية ملزمة للحد من التلوث البلاستيكي، فإن الفجوة لا تزال واسعة بين الوعي السياسي وحجم التحول المطلوب في أنماط الإنتاج والاستهلاك.
ولا تقف آثار هذه الكارثة عند حدود الجماليات البيئية أو حماية الكائنات البحرية، بل تمتد إلى صميم الأمن الصحي والغذائي والاقتصادي. فالمحيطات الملوثة تفقد جزءًا من قدرتها على امتصاص الكربون، ما يفاقم أزمة التغير المناخي، كما تتضرر الثروة السمكية وسلاسل الإمداد الغذائية، وتتزايد أعباء وتكاليف المعالجة الصحية لتلوث يتزايد بصورة تراكمية ومركبة.
هنا يتحول التلوث من «أثر جانبي» إلى عامل ضاغط على النمو والاستقرار، وهو ما يعيد طرح سؤال جوهري حول معنى الكفاءة الاقتصادية إذا كانت تُقاس بمعزل عن الاستدامة.
ليس من الدقة أن يختزل هذا التحليل في نطاق المحيطات وحدها، فجزيرة القمامة في الباسيفيك ليست استثناءً بيئيًا معزولًا، بل صورة مكثفة لاختلال يتكرر بالمنطق نفسه داخل المدن والدول.
وعندما يُنقَل هذا الإطار إلى الحالة المصرية، تتكشف ملامح تشابه مقلقة؛ إذ إن عودة السحابة السوداء، وتكرار حرائق القمامة المكشوفة، وتصاعد الروائح الخانقة في مواقع بالغة الحيوية، كمطلع محور 26 يوليو المؤدي إلى مناطق سياحية شديدة الحساسية، لا يمكن قراءتها كوقائع طارئة أو أحداث منفصلة، بل كأعراض واضحة لخلل بنيوي في منظومة إدارة المخلفات، وتراخ واضح لدور وزارة البيئة خاصة بعد أن نقلت تبعيتها مؤقتاً إلى وزيرة التنمية المحلية.
والعجيب أن صلاحيات الوزيرة في إدارة الحكم المحلي تمنحها صلاحيات إضافية لعلاج الإهمال البيئي ومحاربة التجاوزات المجرّمة قانوناً، لكن سيادتها لم تقدّم دليلاً على ذلك فيما أرى.
رغم ما أُعلن عنه من استراتيجيات وتشريعات ومنظومات رصد وإنذار مبكر، فإن الواقع الميداني يشير إلى تراجع واضح في القدرة على الاحتواء الفعلي، لا سيما في المناطق الحضرية عالية الكثافة والحساسية.
استمرار احتراق المخلفات في مواقع مفتوحة، وفي محيط طرق رئيسية، يكشف فجوة بين التخطيط والتنفيذ، وبين النص القانوني والقدرة الرقابية، ويعكس قصورًا في التنسيق بين الجهات المعنية، فضلًا عن غياب حوافز اقتصادية حقيقية تدفع نحو تقليل النفايات من المنبع أو إعادة تدويرها بكفاءة.
الدلالة الأعمق هنا أن المشكلة ليست بيئية فقط، بل اقتصادية ومؤسسية بامتياز. فكما لم يُحمَّل منتجو البلاستيك عالميًا التكلفة الكاملة لما أنتجوه، لا تزال تبعات التلوث محليًا موزعة على المجتمع بأسره، في صورة هواء ملوث، وتدهور صحي، وتشويه حضري يمس صورة الدولة في مناطق يُفترض أن تكون واجهتها السياحية. وحين تغيب آلية «المتسبب في التلوث عليه أن يدفع» بشكل صارم، يصبح الحرق العشوائي هو الحل الأرخص، ولو كان الأعلى ضرراً وتكلفة على المدى المتوسط والطويل.
إن الربط بين جزيرة القمامة في المحيط الهادئ، وما تشهده بعض المناطق الحيوية في مصر من تدهور بيئي، ليس ربطًا إنشائيًا بقدر ما هو استدعاء تحليلي لنمط واحد يتكرر بأشكال مختلفة.
فكلا المشهدين نتاج نموذج ما زال يتعامل مع المخلفات بوصفها نهاية الدورة الاقتصادية لا بدايتها، ويمنح البيئة دور المخزن المجاني لأخطاء الإنتاج والاستهلاك. والمفارقة أن هذا الخلل يتعايش -في الحالة المصرية- مع جهد واضح ومُقدَّر تقوده وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، نجح في إتاحة منصات تمويل مستدامة، وتوجيه موارد معتبرة نحو برامج صديقة للبيئة، ودعم التحول الطاقي عبر برامج تنفيذية وسردية وطنية أكثر اتساقًا مع معايير الاستدامة العالمية. وهو ما يثير تساؤلًا مشروعًا حول أسباب عدم مواكبة الأداء البيئي التنفيذي لهذا الزخم التخطيطي والتمويلي، لا سيما من الجهة المعنية مباشرة بإدارة المخلفات وحماية البيئة.
فدون إعادة بناء منظومة إدارة المخلفات على أسس الاقتصاد الدائري، وتحميل التكاليف البيئية لمُسبِّبيها، وتشديد التنفيذ المحلي الصارم، سيظل الفارق بين قمامة تطفو في المحيط وقمامة تحترق على أطراف المدن فارقًا غير معنويي.