تقرير لمركز باستيت: تفاعل الخطاب الإسرائيلي مع عملية فنزويلا
خلال مطلع يناير 2026، تحركت القوات الأمريكية لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بدعوى تورطه في تهم تتعلق بـ"الإرهاب المرتبط بالمخدرات". وقد أثار هذا الحدث تفاعلاً دوليًا واسعًا، بين مؤيد ومعارض، إذ انصبّ النقاش على شرعية عملية الاعتقال، ومدى ما تمثله من اختراق لسيادة الدول، ومدى توافقها مع قواعد القانون الدولي.
وفي هذا السياق، برز الخطاب الإسرائيلي الرسمي بوصفه الأكثر تأييدًا وابتهاجًا بالعملية الأمريكية، سواء عبر تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي أو أعضاء الحكومة. إلا أن هذا التفاعل لم يقتصر على دعم الحدث ذاته، بل حمل هدفًا استراتيجيًا أوسع، تمثل في إسقاط النموذج الفنزويلي بحذافيره على الحالة الإيرانية، عبر إبراز أوجه التشابه بين النظامين، والتحفيز الضمني والمباشر لتنفيذ عملية مماثلة في إيران، والدفع بالرئيس الأمريكي نحو تبني هذا المسار.
وانطلاقًا من ذلك، يهدف هذا التقرير إلى تحليل مضمون الخطاب الرسمي الإسرائيلي على منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك صفحة "إسرائيل تتكلم بالعربية" على فيسبوك، وصفحة وزارة الخارجية الإسرائيلية، وصفحات كل من وزير الخارجية ورئيس الوزراء على موقع X (تويتر سابقًا)، وذلك للكشف عن استراتيجيات الإسقاط والتوظيف الدعائي لحالة فنزويلا على الحالة الإيرانية، وأبعادها السياسية والإعلامية.

أولاً: عملية فنزويلا كنموذج لإنهاء المعاناة الشعبية
ربطًا بين الحالة الاقتصادية في فنزويلا ونظيرتها في إيران، استغلّ الخطاب الإسرائيلي بصورة واضحة التدهور المتواصل في الأوضاع الاقتصادية داخل إيران، بوصفه مدخلًا رئيسيًا لمخاطبة الرأي العام الإيراني وتحفيزه ضد النظام القائم. فقد جرى توظيف آثار العقوبات الدولية والعزلة السياسية المفروضة على النظام الإيراني منذ سنوات طويلة، وما أسفرت عنه من أزمات معيشية خانقة، وفي مقدمتها الارتفاع الحاد في معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. حيث شهد عام 2025 تصاعدًا لافتًا في معدلات التضخم، ولا سيما في أسعار المواد الغذائية التي تجاوزت مستويات غير مسبوقة، إلى جانب وصول العملة الإيرانية إلى أدنى مستوياتها بحلول ديسمبر 2025.
لتُقَدِم إسرائيل نفسها، عبر خطابها الموجَّه إلى الشعب الإيراني، باعتبارها المنقذ القادر على إخراج إيران من أزماتها الاقتصادية والمعيشية، من خلال توظيف خطاب استشرافي يتعهد بضمان دعم أمريكي–إسرائيلي واسع لإيران في مرحلة ما بعد انتهاء حكم المرشد. ويرتكز هذا الخطاب على وعود بإعادة إدماج إيران في النظام الدولي، وبناء شبكة علاقات إقليمية ودولية جديدة يُفترض أن تفضي إلى تحقيق الرفاهة الاقتصادية وتحسين مستوى المعيشة.
وتوظيفًا من الخطاب الإسرائيلي لحالة فنزويلا كنموذج إسقاطي، اعتمد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أسلوب المقارنة غير المباشرة، من خلال ربط توجّه عدد من دول أمريكا اللاتينية نحو توطيد علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل بما حققته من مكاسب سياسية واقتصادية عقب إسقاط الأنظمة المصنَّفة بوصفها "ديكتاتورية". ويتوّج هذا الطرح بتصريح صريح لنتنياهو أكد فيه أن انتهاء النظام الإيراني سيضمن عودة إسرائيل وإيران لتكونا "شريكتين مخلصتين" في بناء مستقبل من الازدهار والسلام لكلا الشعبين، في محاولة واضحة لتسويق التغيير السياسي باعتباره مدخلًا حتميًا للخلاص الاقتصادي وتحقيق الاستقرار الإقليمي.
إلى جانب ذلك، اعتمد الخطاب الإسرائيلي على توظيف ألفاظ وتعبيرات لا تنطبق على حالة فنزويلا فحسب، بل يمكن إسقاطها بسهولة على الواقع الإيراني. فعبارات من قبيل: "تقف إسرائيل إلى جانب الشعب الفنزويلي المحبّ للحرية"، و"الذي عانى تحت وطأة الطغيان"، و"ترحّب إسرائيل بإزاحة الديكتاتور"، و"تأمل بعودة الديمقراطية إلى البلاد"، و"شعب فنزويلا يستحق ممارسة حقوقه الديمقراطية"، تُقدَّم في ظاهرها للإشارة إلى الحالة الفنزويلية، لكنها تُستخدم في الخطاب الإسرائيلي كإسقاط مباشر على الشعب الإيراني، الذي يعاني من ضغوط سياسية واقتصادية ممتدة ويُقدَّم بوصفه شعبًا يطمح إلى الحرية والديمقراطية. ومن ثم، يبرز هذا الاستخدام المتكرر لمفردات الحرية والديمقراطية الخطاب الإسرائيلي كأداة للتوجيه النفسي والسياسي، تهدف إلى ترسيخ قناعة مفادها أن التغيير السياسي هو السبيل الوحيد لاستعادة الحقوق والكرامة.
وبناءً على ذلك، اعتمد الخطاب الإسرائيلي لغة إيحائية صريحة تقوم على تحميل النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن معاناة الشعب، بحيث يُصوَّر استمرار هذه المعاناة بوصفه نتيجة مباشرة لبقاء النظام، ولا يمكن إنهاؤه إلا بزواله. ولا يقتصر هذا النمط الخطابي على الحالة الإيرانية فحسب، بل يمثل استراتيجية دعائية منهجية اعتمدتها إسرائيل سابقًا في خطابها تجاه غزة عبر تحميل حركة حماس مسؤولية معاناة السكان، وكذلك تجاه لبنان فيما يتعلق بحزب الله. ويهدف هذا الخطاب، من خلال نزع الشرعية عن السلطة القائمة وربطها بتدهور أوضاع الشعوب، إلى تهيئة الرأي العام المحلي والدولي لتقبّل التدخل أو التغيير السياسي باعتباره خيارًا أخلاقيًا وضروريًا.

المصدر: صفحة إسرائيل تتكلم بالعربية على فيسبوك، 31/12/2025، متاح على الرابط: https://2u.pw/Abvk8
ثانيًا: ربط مصير إيران بمصير فنزويلا
حرص الخطاب الإسرائيلي على ربط مصير إيران وفنزويلا ارتباطًا وثيقًا، بهدف شرعنة فكرة قرب انهيار النظام الإيراني وتسهيل استيعاب هذه الفكرة لدى الرأي العام الداخلي والدولي. وقد ركّز الخطاب على تصوير البلدين بوصفهما متشابكين سياسيًا واقتصاديًا، ومتحدين في استراتيجيات يُزعم أنها تهدد استقرار الشرق الأوسط والعالم، من خلال ما يُوصف بتصدير المخدرات والإرهاب على نطاق دولي. ويبرز هذا الربط بوصفه أداة إسقاطية مزدوجة، تُوظَّف فيها حالة فنزويلا كنموذج واقعي وملموس لتفسير التدهور المحتمل في إيران، بما يعزز الإطارين النفسي والسياسي اللذين يسوّقان فكرة أن التدخل أو إسقاط النظام أمر محتَّم وضروري لضمان الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، أكّد الخطاب الإسرائيلي أن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد الولايات المتحدة في يناير 2026 يشكّل رسالة تحدٍّ مباشرة للاقتصاد الإيراني، في ظل العلاقة الوثيقة التي ربطت إيران وفنزويلا لسنوات طويلة. وقد جرى التركيز على أن هذه العلاقة شملت تعاونًا اقتصاديًا واستراتيجيًا في مجالات متعددة، من بينها تجارة النفط والطائرات المسيّرة، كوسيلة للالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على النظام الإيراني. ويُستخدم هذا الربط للتأكيد على أن أي تحرك عسكري أو سياسي تجاه فنزويلا يمكن توظيفه بوصفه إشارة رمزية واستراتيجية لإضعاف إيران اقتصاديًا وسياسيًا، وتسويق فكرة قرب انهيار النظام وعدم قدرته على الاستمرار في ظل الضغوط الدولية المتزايدة.
كما قدّم الخطاب الإسرائيلي فنزويلا بوصفها عقدة مركزية في شبكة إرهاب دولية تقودها إيران، وهو توصيف يشرعن، من منظور الخطاب، التعامل معها كنظام معادٍ يستدعي العزلة أو حتى الإطاحة به. وفي هذا الإطار، اعتمد الخطاب – كما ورد على لسان وزير الخارجية الإسرائيلي غدعون ساعر – لهجة حادة تضمنت أحكامًا مباشرة تُصنّف إيران وفنزويلا بوصفهما كيانين إجراميين، متورطين في الإرهاب وتجارة المخدرات، ومرتبطين بدعم حزب الله. ويُظهر هذا النمط من الشيطنة المركّبة كيف يسعى الخطاب الإسرائيلي إلى بناء صورة "التهديد المطلق" للنظام الإيراني وشركائه، بما يهيئ الرأي العام الدولي لتقبّل أي خطوات تصعيدية مستقبلية.
وإلى جانب ذلك، قدّم الخطاب إسقاطًا مستقبليًا لمصير المرشد الإيراني قياسًا على حالة نيكولاس مادورو، من خلال توظيف ما نشرته صفحة غير رسمية للموساد على منصة X تسمى (Mossad Commentary)، والتي قدّمت سردًا تفصيليًا لكواليس عملية اعتقال مادورو، بدءًا من منحه فرصة للتنحي ورفضه لها. ويُسقَط هذا السرد بصورة مباشرة على الحالة الإيرانية، بما يوحي بأن المرشد الإيراني يمتلك "فرصة أخيرة" للتنحي، وأن أي تصعيد لاحق سيكون مسؤولية النظام نفسه لا الأطراف الخارجية.
كما اعتمد الخطاب أسلوب التهديد غير المباشر، عبر الإشارة إلى وجود عملاء للمخابرات الأمريكية داخل فنزويلا منذ أشهر سبقت عملية الاعتقال، بما في ذلك اختراق الدائرة القريبة من مادورو، في محاولة لإبراز هشاشة الأنظمة المستهدفة من الداخل. ويُعاد توظيف هذا النموذج للإيحاء بالحالة الإيرانية، خاصة في ضوء ما كشفت عنه الضربات الإسرائيلية–الأمريكية التي استهدفت إيران في يونيو 2025 من وجود اختراق استخباراتي إسرائيلي، شمل تجنيد مصادر من داخل إيران ومن دول مجاورة لجمع معلومات دقيقة عن المنشآت النووية الأكثر سرية، إضافة إلى العلماء والمسؤولين المرتبطين بها.
ويستند هذا الطرح كذلك إلى سوابق ميدانية تُستخدم لإثبات القدرة على الاختراق والتنفيذ الدقيق، من بينها استهداف إسرائيل للقيادي في حركة حماس إسماعيل هنية في قلب طهران في يوليو 2024، بما أظهر قدرة على اختراق العاصمة الإيرانية وتجاوز طبقات أمنية متعددة وتنفيذ ضربة دقيقة دون الكشف عن هوية المنفذين. كما يتكرر هذا النمط في الهجوم المتطور الذي شنّته إسرائيل في سبتمبر من العام نفسه ضد عناصر حزب الله في لبنان باستخدام أجهزة استدعاء متفجرة، وأسفر عن مقتل العشرات وإصابة الآلاف.
وتُوظَّف هذه الأمثلة مجتمعة في الخطاب الإسرائيلي لتسويق فكرة الحتمية والتهديد الدائم للنظام الإيراني، داخليًا وخارجيًا، بما يهيئ الرأي العام المحلي والدولي لتقبّل أي خطوات تصعيدية أو تدخلات مستقبلية بوصفها ضرورية ومشروعة.

المصدر: الصفحة الرسمية لوزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير على منصة X، 2/1/2025، متاح على الرابط: https://2u.pw/MIcUv
ثالثًا: تحفيز التدخل الأمريكي في إيران على غرار النموذج الفنزويلي
حمل الخطاب الإسرائيلي في هذا السياق رسالة مزدوجة، تؤكد أهمية الدور الأمريكي كعامل حاسم لا يمكن الاستغناء عنه لتحقيق أي تغيير في إيران. وتوجه هذه الرسالة إلى طرفين: الأول الشعب الإيراني، من خلال التشديد على ضرورة شرعنة التبعية السياسية لإيران تجاه الولايات المتحدة، وتكرار وجوب انصياع الشعب الإيراني للرغبات الإسرائيلية–الأمريكية، باعتبار أن استقرار حياتهم وتحقيق مصالحهم يعتمد على الرضاء الأمريكي، القوة الكبرى القادرة على تحديد مسار الأحداث العالمية. وقد عبّر وزير الخارجية الإسرائيلي عن هذا الدور بصياغة رمزية دقيقة، حين وصف الولايات المتحدة بأنها "قائد العالم الحر"، لتبرير كل السياسات الإسرائيلية وتعزيز فكرة أن أي تغيير سياسي في إيران لن يتحقق إلا ضمن الإطار الذي تقوده واشنطن.
أما الطرف الثاني، فهو الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ركّز الخطاب الإسرائيلي على تحفيزها لاتخاذ خطوات حاسمة تجاه إيران على غرار ما حدث في فنزويلا. ويعكس هذا التوجه رغبة إسرائيلية في الإنهاء السريع للنظام الإيراني باستخدام القوة، بغض النظر عن الاعتبارات أو التداعيات المحتملة، مع التأكيد على أن الهدف الوحيد هو التخلص من النظام الإيراني لما يمثله من تهديد لإسرائيل. واستند الخطاب الإسرائيلي في هذا السياق إلى لغة تحفيزية مباشرة، كما ظهر في تصريحات تؤكد دعم الحكومة الإسرائيلية بأكملها للقرارات الحاسمة والعمل الحازم الذي اتخذته الولايات المتحدة لاستعادة الحرية والعدالة في مناطق أخرى من العالم، في إشارة واضحة إلى فنزويلا، مع الإيحاء بأن ما يجب أن يتحقق لإيران مستقبلًا هو نسخة مماثلة من هذا التدخل والإصلاح.
وبالتالي، يقدّم الخطاب الإسرائيلي عملية فنزويلا باعتبارها نموذجًا شرعيًا وناجحًا لإسقاط الأنظمة، ويُعاد إنتاجها ضمن خطاب إيجابي تحفيزي يحمل سمات الأمل والتفاؤل، ويُصوَّر كبديل واقعي ومتاح أمام الشعب الإيراني للخلاص من النظام القائم. وفي هذا السياق، يُعاد تأطير التدخل الأمريكي الكامل بوصفه ضرورة لإنهاء النظام الإيراني بشكل سريع، مع إعادة توصيف التدخل العسكري من كونه فعلًا عدوانيًا إلى كونه عملية تحرير، تُفضي إلى الديمقراطية والرفاه والاستقرار، وفق ما يروّج له الخطاب الإسرائيلي.
كما حرص الخطاب الإسرائيلي على تقديم الولايات المتحدة والرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوصفه "القائد المتزن"، مع نفي صورة التهور أو الاندفاع عنه، والتشديد على أن الخيار العسكري لا يُطرح إلا بوصفه الملاذ الأخير بعد استنفاد جميع البدائل الدبلوماسية والسياسية. ويخدم هذا التأطير إسرائيل استراتيجيًا عبر تسويق أي ضربة عسكرية محتملة ضد إيران باعتبارها قرارًا عقلانيًا ومدروسًا وذا بعد أخلاقي، وليس فعلًا عدوانيًا أو تصعيديًا، بما يساهم في شرعنة التدخل وتخفيف كلفته السياسية والأخلاقية على المستوى الدولي.
ختامًا، يكشف تحليل تفاعل الخطاب الإسرائيلي الرسمي عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع عملية فنزويلا أن الهدف الأساسي لا يقتصر على الحدث ذاته، بل يمتد إلى النظام الإيراني والشعب الإيراني على حد سواء. وقد استُخدمت الرسائل المتنوعة—سواء التحفيزية الموجهة للشعب الإيراني لتأييد ودعم فكرة إسقاط النظام، أو تلك الموجهة إلى صانعي القرار الأمريكي لتشجيع التدخل العسكري—لترسيخ هذا الهدف. وقد ركّز الخطاب على استغلال المعاناة الاقتصادية للشعب الإيراني لتقديم إسرائيل نفسها بوصفها المنقذ، والولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة العالمية القادرة على توجيه الأحداث، بما يعزز قبول الرأي العام والسياسات الدولية لفكرة التدخل لإسقاط النظام. ومن ثم، جاء الربط المتقن بين النظامين في فنزويلا وإيران، عبر إبراز التشابهات في الهياكل السياسية والاقتصادية وسلوكيات السلطة، ليقدّم نموذج فنزويلا كإطار شرعي وواقعي يمكن إسقاطه على الحالة الإيرانية لتحقيق أهداف الخطاب الإسرائيلي الاستراتيجية.