أمين الفتوى: من يرفضون تصديق الإسراء والمعراج أسرى لمنطق السيطرة والتعالي
قال الدكتور عمرو الورداني، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن رحلة الإسراء والمعراج لم تكن مجرد معجزة زمنية، بل مدرسة عميقة في إعادة تشكيل الإنسان من الداخل.

رحلة الإسراء والمعراج
وأوضح أن أول درس تكشفه هذه الرحلة هو أن الإنسان يفقد جوهر إنسانيته عندما يغفل عن عبوديته لله سبحانه وتعالى، وحين يظن أن وجوده مستقل بذاته أو أن نجاته يمكن أن تتحقق بعيدًا عن خالقه، فإن أول خطوة في بناء الإنسان الصحيح تبدأ بإدراكه الكامل لمعنى العبودية.
وأضاف أن العبودية لله هي الضمان الحقيقي لاتزان الإنسان نفسيًا وروحيًا، فهي التي تمنحه المعنى وتعيد ترتيب أولوياته في الحياة، مستشهدًا بموقف النبي -صلى الله عليه وسلم- حين سألته السيدة عائشة رضي الله عنها عن سبب اجتهاده في العبادة رغم مغفرة ذنبه، فكان جوابه: «أفلا أكون عبدًا شكورًا».
لماذا يعجز البعض عن فهم الإسراء والمعراج؟
وذكر أمين الفتوى أن هناك من يستثقل الحديث عن الإسراء والمعراج أو يضيق بمعانيها؛ لأنهم لا يريدون العيش بمنطق العبودية، بل بمنطق السيطرة والتعالي والاعتماد على الذات بمعزل عن الله.
وأردف أن هذا المنطق يجعل صاحبه عاجزًا عن استيعاب حقائق الإيمان ومعاني التسليم، فيفقد القدرة على التفاعل مع البعد الروحي للمعجزة.
ولفت إلى أن بداية المعراج في السماء الأولى ولقاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بسيدنا آدم عليه السلام، لم يكن أمرًا عابرًا، بل يحمل دلالة واضحة على أن تأسيس الإنسان يبدأ من معرفته بحقيقته كعبد لله، مضيفًا أن آدم عليه السلام هو أصل البشرية، ورسالة لقائه تؤكد أن العبودية هي الجذر الأول لكل بناء إنساني سليم.
رحلة النبي في السماء الثانية
وتطرق الورداني للحديث عن السماء الثانية، حيث التقى النبي -صلى الله عليه وسلم- بسيدنا يحيى وسيدنا عيسى عليهما السلام، مبينًا أن هذا اللقاء يرمز إلى الطهر والنقاء والسلام الداخلي، وهو المعنى الذي أكده القرآن الكريم في وصفهما بالسلام في مراحل حياتهما المختلفة.
وأكد أن الدرجة الثانية في بناء الإنسان بعد العبودية هي أن يعيش بسلام مع نفسه ومع الآخرين.
وشدد على أن الأصل في الإنسان هو صفاء القلب وخلوه من الحقد والغل والرغبة في الانتقام، وأن نشر السلام ينبغي أن يكون هو القاعدة لا الاستثناء، محذرًا من أن سيطرة الكراهية والعداوة تحوّل الحياة إلى صراع دائم أشبه بالغابة، يفقد فيها الإنسان إنسانيته.
الصبر في السماء الثالثة
ونوه أن الدرجة الثالثة في سلم البناء الإنساني، تتجلى في جمال الصبر، وهو ما ظهر في لقاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بيوسف عليه السلام في السماء الثالثة، فصبر يوسف كان صبرًا راقيًا بلا مرارة، مليئًا بالنور وسعة الصدر، وصبرًا أثمر عفوًا وصفحًا حين قال: « قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الإنسان الذي يتأسس على العبودية، ويعيش بسلام داخلي، ويتذوق معنى الصبر الجميل، يتحول إلى إنسان قوي الإيمان، واسع القلب، ثابت الروح، قادر على مواجهة الحياة بقيم إنسانية راقية تعكس حقيقة الإيمان بالله.