بعد أن أنصتنا في المقال السابق إلى سيمفونية 30 يونيو بوصفها لحظة انفجار صوتي جمعي، يصبح من الضروري أن نقترب خطوة أخرى، لا من الصوت بوصفه ظاهرة عامة، بل من الرحلة التي صنعته.
فالأصوات لا تولد فجأة في الميادين، بل تتكوّن في الطرقات، في خطوات الناس وهم يغادرون بيوتهم، في العرق الذي يسبق الهتاف، وفي الصمت القصير الذي يسبق القرار.
هنا، نغادر مستوى التحليل، وندخل إلى التجربة، نترك الأرشيف الصوتي لنسير داخل الجسد الشعبي الذي صنعه.
هذا المقال ليس عن الميدان بعد الوصول، بل عن الطريق إليه، عن تلك الرحلة التي تحوّلت فيها المسافة من الشيخ زايد في أكتوبر إلى التحرير إلى معبر خلاص، وعن اللحظة التي اكتشف فيها المصريون أن السير معاً هو أول أشكال النصر، كان الهواء ثقيلاً بحرارة يونيو، وحمل في ثناياه رائحة التاريخ يُكتب.
لم نكن نسير في الشوارع بقدر ما كنا نسبح في نهر بشري جارف، كل موجة بشرية تحمل معها قصة، وكل وجه يحمل همًا وأملاً.
منذ اللحظة التي غادرنا فيها بيوتنا في السادس من أكتوبر، بدا وكأن المدينة كلها تتنفس في اتجاه واحد، السيارات تركت لأصحابها، والشوارع تحولت إلى مسارات للمشاة فقط.
لم تكن هناك حواجز بين الغني والفقير، المتعلم والبسيط، المسن والصغير، الجميع كانوا يحملون نفس الرمز الوطني "علم مصر"، ويبدو عليهم نفس النظرة الحازمة المليئة بالتحدي.
أذكر وجه امرأة عجوز كانت تسير ببطء، تمسك بعصاها، وتمسك من الجهة الأخرى بحفيدها الصغير. سألتها: "يا ست، أنتِ متأكدة من قدرتك على الوصول؟" نظرت إليّ بعينين تلمعان بحكمة الأجيال، وقالت: "أنا عشت ثورة التاسع عشر وثورة يوليو، والآن أرغب أن يعيش حفيدي حرية لن أغادر الدنيا إلا وأنا مطمئنة عليه"، كانت كلماتها كالبلسم على قلوبنا جميعاً.
الوجوه.. يا لها من وجوه! لم أرَ في حياتي هذا التناغم العجيب بين القلق والإصرار، شباب في عزّ قوتهم يسندون كبار السن، نساء يحملن أطفالهن وكأنهن يحملن مستقبل مصر بين أيديهن.
كان هناك ذلك الرجل الأربعيني الذي كان يحمل صورة لابنه الشهيد، يسير بصمت، ودموعه تختلط بعرقه، لكن خطواته كانت الأثبت.
الأصوات كانت تشكل سيمفونية غريبة.. أصوات الآذان تختلط بهتافات "تحيا مصر"، أصوات بائعي المياه يوزعون زجاجاتهم مجاناً، أصوات الأمهات يهدئن أطفالهن، وأصوات الشباب ينشدون للوطن.
في أحد التقاطعات، وقف شاب بعود يغني "على رأسه ريشة"، فتحول المكان إلى كورال بشري، الجميع يغني بنفس الإيقاع، وكأن قلوبهم تنبض بنفس السرعة.
كانت رائحة العرق تختلط برائحة الفلافل والشاي الذي وزعه أصحاب المحلات على المارين. أحد الباعة كان يصيح: "اليوم مش يوم تجارة.. اليوم يوم فداء"، وكان يوزع المياه والمشروبات على كل من يمر، الأضواء الخافتة للشوارع كانت تكشف عن بحر لا نهاية له من البشر.
نظرت إلى زوجتي فوجدت دموعاً تترقرق في عينيها، ليست دموع خوف، بل دموع فخر ودهشة.
ابنتنا الشابة كانت تحمل علم مصر، وتلف آخر حول خصرها، وتنظر حولها بفضول طفولي، كأنها تسأل: "لماذا الجميع هنا؟" "لأننا جميعاً عائلة واحدة، وعندما يكون البيت في خطر، تجتمع العائلة".
عندما اقتربنا من ميدان التحرير، شعرنا بتيار من الطاقة يدفعنا إلى الأمام. الأضواء أصبحت أكثر سطوعاً، والأصوات أكثر وضوحاً. نظرت إلى الوراء فرأيت نهراً بشرياً يمتد إلى ما لا نهاية، كل هؤلاء تركوا بيوتهم، مسؤولياتهم، راحتهم، من أجل كلمة واحدة: مصر.
لم تصل سيارتنا إلى أقرب نقطة من الحشود، بل إلى أقرب مكان آمن يسمح بالوقوف. هناك، اضطررنا أن نتركها ونكمل الطريق سيراً على الأقدام. كان ذلك التفصيل الصغير، في جوهره، علامةً كبرى: الجميع، بلا استثناء، كان قد تخلّى عن امتيازاته، عن سيارته، عن راحته، عن اسمه وصفته، ولم يحتفظ إلا بشيء واحد.. حبه لمصر وانحيازه لشعبها.
كانت المسافة بين مكان توقفنا والميدان قصيرة، لكنها كانت مشبعة بالمعنى. وفجأة، توقفت إلى جوارنا سيارة يقودها أحد الشباب، فتح نافذته وقال ببساطة لا تحتمل المزايدة: «اتفضلوا… الميدان في الاتجاه ده»، لم يسأل من نحن، ولا إلى أين ننتمي، فقط افترض أننا ننتمي للوطن، عندها أدركت أن مصر، في لحظات صدقها الكبرى، لا تكون بلداً فقط، بل أخلاقاً تمشي على أربع عجلات. كم أنتِ بديعة يا مصر، وكم أنتِ كريمٌ شعبُك.
كانت تلك الرحلة أكثر من مجرد مسافة جغرافية قطعناها من السادس من أكتوبر إلى التحرير.. لقد كانت رحلة في أعماق الوطن، اكتشفنا فيها أن مصر ليست أرضاً فقط، بل هي نبض في قلوب الملايين، حلم يتجدد، وعهد بين الأجيال.
وصلنا إلى الميدان وقد أشرقت في وجوهنا تلك الحقيقة البسيطة العميقة: عندما يريد شعب الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر.
كانت الوجوه المتعبة تعلوها ابتسامة الانتصار، لأن الوصول بحد ذاته كان انتصاراً على الخوف، على اليأس، على كل محاولات التفريق.
في تلك الليلة، تحت سماء القاهرة، كنا جميعاً أبناء مصر.. بدون استثناء.