تعكس المعطيات العسكرية والسياسية أن الحرب الروسية-الأوكرانية لم تعد تُدار بمنطق الحسم السريع أو التقدم الميداني التقليدي، بل بمنطق كسر الإرادة ورفع الكلفة الشاملة للصراع.
الهجوم الجوي الروسي على كييف ليلة الاثنين من الأسبوع الجاري، وما صاحبه من حرائق ومحاولات أوكرانية لاعتراض الضربات، يؤكد أن العاصمة ما زالت هدفًا استراتيجيًا ورسالة سياسية في آن واحد.
فاستهداف كييف لا يغير ميزان القوى ميدانيًا بقدر ما يهدف إلى ترسيخ فكرة انعدام الأمان، وإبقاء الضغط النفسي على القيادة الأوكرانية والمجتمع، وكذلك على الحلفاء الذين يدركون أن حماية المجال الجوي الأوكراني باتت معركة استنزاف طويلة.
في الوقت ذاته، تظهر التحركات الأوكرانية على الأرض، مثل استعادة مواقع في مقاطعة خاركيف ورفع العلم الأوكراني على مبانٍ رسمية، أن كييف لا تزال حريصة على إنتاج رموز ميدانية للتماسك والصمود، حتى وإن كانت المكاسب محدودة جغرافيًا.
هذه الرمزية لا تقل أهمية عن الأرض نفسها، لأنها تخاطب الداخل الأوكراني وتُستخدم سياسيًا لإثبات أن الدعم الغربي لم يذهب سدى، وأن الجيش الأوكراني ما زال قادرًا على المبادرة.
لكن التحول الأهم يتمثل في انتقال جزء متزايد من المواجهة إلى العمق الروسي. الضربات الأوكرانية بالطائرات المسيرة بعيدة المدى، التي استهدفت منشآت نفطية وعسكرية، تعني أن الحرب لم تعد محصورة داخل أوكرانيا، بل أصبحت حرب استنزاف متبادل. حتى مع إعلان موسكو إسقاط عدد كبير من المسيرات، فإن مجرد تكرار هذه الهجمات يكشف ضعفًا نسبيًا في العمق الاقتصادي والعسكري الروسي أمام أدوات منخفضة الكلفة نسبيًا، ويضع القيادة الروسية أمام معضلة حماية الداخل بالتوازي مع استمرار العمليات الهجومية.
التصعيد النوعي بلغ ذروته مع تقارير استخدام روسيا لصاروخ «أوريشنيك» بعيد المدى في غرب أوكرانيا. هنا لا تكمن الخطورة فقط في الأثر العسكري المباشر، بل في البعد الرمزي والردعي. استخدام سلاح متقدم من هذا النوع يوحي بأن موسكو مستعدة لرفع سقف المواجهة تقنيًا، ويوجه رسالة واضحة إلى الغرب بأن أي ترتيبات أمنية مستقبلية أو ضمانات دفاعية لأوكرانيا ستبقى تحت التهديد، وأن روسيا تمتلك أوراق ضغط تتجاوز ساحة المعركة التقليدية.
وتوازي هذه التطورات العسكرية حركة دبلوماسية غربية أكثر وضوحًا. إعلان بريطانيا وفرنسا استعدادهما لنشر قوات أو إنشاء ترتيبات عسكرية داخل أوكرانيا في حال التوصل إلى اتفاق سلام يعكس تحولًا في التفكير الأوروبي: لم يعد الهدف فقط دعم أوكرانيا أثناء الحرب، بل بناء مظلة ردع دائمة تمنع تكرارها. هذا التوجه، المدعوم بتصريحات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والناتو حول ضمانات دفاعية طويلة الأمد، يشير إلى إدراك غربي بأن أي سلام هش سيكون مقدمة لحرب جديدة.
في المقابل، تحاول موسكو تحصين جبهتها الداخلية عبر خطاب تعبوي ذي طابع أيديولوجي وديني، كما ظهر في وصف الرئيس الروسي للحرب بأنها مهمة مقدسة. هذا الخطاب لا يُقرأ فقط كأداة تعبئة، بل كإشارة إلى تضييق هامش التنازل السياسي، لأن تحويل الحرب إلى قضية وجود وهوية يجعل أي تراجع لاحق مكلفًا داخليًا على مستوى الشرعية.
وفي تقديري، من خلال القراءة المعمقة، أن أغلب التحليلات تجمع على أن عام 2026 مرشح لأن يكون عامًا لاستمرار الصراع لا لإنهائه. الشروط الروسية لوقف إطلاق النار، التي تتضمن انسحاب أوكرانيا من مناطق أعلنت موسكو ضمها، تكاد تكون غير قابلة للقبول أوكرانيًا وغربيًا. وفي الوقت نفسه، تشير التقديرات الاستخباراتية الغربية إلى أن روسيا، رغم قدرتها على مواصلة القتال، تواجه صعوبات متزايدة في التجنيد والحفاظ على جودة قواتها، ما يجعلها تعتمد أكثر على الاستنزاف والزمن بدل الحسم السريع.
في المحصلة، الحرب، كما قلنا سابقًا، تسير نحو نموذج الصراع المجمد المتحرك: قتال مستمر بوتيرة متفاوتة، بلا أفق سياسي قريب، مع تصعيد تقني ورسائلي متقطع يهدف إلى تحسين شروط التفاوض لا إلى فتحه فعليًا. الميدان يشهد تبادل ضربات واستعراض قدرات، والدبلوماسية تتحرك في اتجاه بناء ما بعد الحرب، لكن الفجوة بين المسارين لا تزال واسعة. وبينهما، يبدو أن عام 2026 سيحمل استمرارًا لهذا التوازن القاسي، حيث لا نصر حاسم ولا سلام قريب، بل صراع طويل يُعاد تعريفه تدريجيًا كجزء من معادلة الأمن الأوروبي والعالمي.