خبير سياسي: محاكمات إيران العلنية للمحتجين مناورة تكتيكية لحماية النظام
اعتبر الدكتور أندرو لاثم، أستاذ العلوم السياسية، أن إعلان السلطة القضائية في إيران عن إجراء محاكمات علنية للمحتجين على خلفية الاضطرابات الأخيرة لا يحمل أي مفاجأة سياسية، بل يندرج ضمن السلوك التقليدي للنظام الإيراني في إدارة الأزمات، موضحاً أن هذا التوجه يعكس طبيعة نظام سلطوي اعتاد استخدام أدوات مرنة مرحلية كلما واجه ضغوطًا داخلية أو خارجية.
وأشار لاثم، خلال مداخلة ببرنامج «منتصف النهار» المذاع على قناة «القاهرة الإخبارية»، إلى أن النظام الإيراني لا يقدم على أي خطوة بدافع الإصلاح الحقيقي، بل يتحرك وفق حسابات دقيقة قائمة على تكلفة القرار وعوائده، طالما أن الثمن السياسي أو الأمني ليس مرتفعًا.
تنازل محسوب لا إصلاح جذري
وأوضح أستاذ العلوم السياسية، أن المحاكمات العلنية يمكن اعتبارها تنازلًا تكتيكيًا محدودًا، يهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي وتهدئة الضغوط الحقوقية الدولية، دون المساس بجوهر بنية النظام أو آليات حكمه، لافتاً إلى أن مثل هذه الخطوات غالبًا ما تستخدم كوسيلة لكسب الوقت وليس لإحداث تغيير مؤسسي.
وأكد لاثم، أن النظام الإيراني يملك سجلًا طويلًا في تقديم تنازلات شكلية عند اشتداد الأزمات، ثم التراجع عنها أو تفريغها من مضمونها لاحقًا، ما يعزز الشكوك حول جدية الحديث عن الشفافية أو العدالة في هذه المحاكمات.
القانون الدولي بين الخطاب والتطبيق
وشدد الدكتور أندرو لاثم، على أن أي حديث عن محاكمات عادلة يجب أن يكون مرتبطًا بتطبيق فعلي لمعايير القانون الدولي، وليس الاكتفاء بإجراءات إعلامية أو تصريحات رسمية، موضحاً أن النظام الإيراني يروج لفكرة أنه لم يبالغ في استخدام القوة، بينما تشير الوقائع إلى عكس ذلك، خاصة في طريقة التعامل مع الاحتجاجات وقمع المعارضين.
وأضاف: أن غياب الرقابة الدولية المستقلة، واستمرار القيود على حرية الإعلام، يثيران تساؤلات جدية حول مدى نزاهة هذه المحاكمات، وما إذا كانت ستوفر بالفعل ضمانات قانونية حقيقية للمتهمين.
رسائل مزدوجة للداخل والخارج
وأشار أستاذ العلوم السياسية، إلى أن هذه الخطوة تحمل رسائل متعددة الاتجاهات، فهي موجهة للداخل الإيراني بهدف إظهار قدر من المرونة والسيطرة القانونية على الأوضاع، وفي الوقت نفسه رسالة للخارج بأن طهران تستجيب للانتقادات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
وأوضح أندرو لاثم، أن الهدف الأعمق يظل الحفاظ على تماسك النظام وضمان بقائه في الحكم، معتبرًا أن كل التحركات السياسية والقضائية الحالية تخدم هذه الغاية الأساسية، حتى وإن جاءت مغلفة بخطاب إصلاحي.
بقاء النظام أولوية مطلقة
واختتم لاثم، تحليله بالتأكيد على أن النظام الإيراني يتعامل مع الأزمات بمنطق البقاء، وليس بمنطق الإصلاح أو المصالحة المجتمعية، مشيرًا إلى أن أي خطوات قادمة ستظل محكومة بالمعادلة نفسها من خلال تقديم تنازلات محدودة لا تهدد جوهر السلطة، مقابل احتواء الضغوط وتأجيل الانفجار الداخلي، مؤكداً أن قراءة المشهد الإيراني تتطلب النظر إلى هذه المحاكمات باعتبارها أداة سياسية أكثر منها مسارًا قانونيًا حقيقيًا، في ظل استمرار السياسات الأمنية ذاتها.