رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كثيرًا ما نسمع ونلمس بأنفسنا انحياز أنظمة الذكاء الاصطناعي فيما تخرجه لنا من آراء أو مواد فكرية في موضوعات عدة، وهو أمر يعتبره البعض- وأنا منهم- من المثالب، فالأصل في الآلة أنها مطلعة على كافة البيانات والمعلومات والآراء والاتجاهات، ومن المفترض أن تتسم بموضوعية مطلقة أو كبيرة مقارنة بالبشر، فالبشر متحيزون سواء نتيجة قناعات لديهم يدافعون عنها أو نتيجة أغراض أخرى تدفعهم للترويج لرأي أو اتجاه أو أيديولوجية.
وبالرغم من أننا نستهجن انحيازات البشر ونطالبهم دائماً بأن يتحلوا بالموضوعية والإنصاف فإن تلك النداءات غالبا ما تذهب أدراج الريح، ولذلك فإن الحل البديل الذي يلجأ إليه المحققون والباحثون عن الحقيقة هو الاستماع إلى أكثر من شخص وأكثر من رأي، ثم يبدأ المحقق في دراسة الآراء ومقارنتها بغية الوصول إلى الحقيقة أو على الأقل بغية الاقتراب منها.
فعلى سبيل المثال لا تتوقع من مفكر يساري أن يمدح في الرأسمالية أو من رجل دين أن يؤمن بالأديان الأخرى، وصولا إلى محب لنوع معين من السيارات أو ماركات الهواتف الذكية أن يمدح أنوعاً أو ماركات أخرى، فالإنسان يميل إلى تعظيم ما يملك وما يفهم وما يقتنع به ويعادى ما لا يملك أو يفهم أو يؤمن به، هذه طبيعة بشرية تجعل الموضوعية أمرا بعيدًا لا يمكن نيلها من الحديث إلى شخص واحد مهما بدا في أمور حياتية أخرى أنه الأكثر طيبة أو رقياً أو إنسانية، فهذه نقرة وتلك نقرة أخرى.
إذا فالحل الأمثل للتعامل مع الآلات ومع أنظمة الذكاء الاصطناعي ومع ما تنتجه يجب أن يتطابق مع ما نفعله مع البشر المنحازين، لا نصادر على رأي ولا نرفضه تمامًا ولا نؤمن به ولا نصدقه تمامًا أيضًا، ربما تكون تلك هي إحدى ميزات الحياة، الاختلاف والتنوع ويبقى على صاحب الوعي والعقل المرن أن يمر بين الآراء والتوجهات ليحقق فيها وينتقى ما يراه مناسباً له، تماماً مثلما يجب على المسلم ألا ينحاز إلى مذهب من المذاهب بالكلية رافضاً الآراء الفقهية التي تصدر من أئمة المذاهب الأخرى حتى وإن اقتنع بها، فلنقتدِ بالفراش أو النحل الذي يتنقل بين الأزهار لينهل من الرحيق كيفما شاء وكيفما تراءى له ولفائدته. 
والحقيقة أن أي منهجية أخرى أو أسلوب آخر للتعامل مع الأمور لن يضر إلا صاحبه، ذلك الجامد المتجمد المتحيز بلا تمحيص ولا تحليل ولا تفكير... مع البشر ومع الآلات أيضًا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء