رفع الرئيس الأمريكي ترامب درجة التوتر في العلاقات بين بلاده وروسيا، وأعلنت أمريكا عن واقعة بحرية غير مسبوقة أعادت إلى الأذهان عصر القرصنة والاستيلاء على السفن وما تحمله، وقامت قوات أمريكية مدعومة بمساعدات بريطانية، بالاستيلاء على ناقلة نفط ترفع العلم الروسي بعد مطاردة بحرية طويلة بدأت من منطقة الكاريبي قرب السواحل الفنزويلية، وانتهت في شمال المحيط الأطلسي. الحادثة تجاوزت أبعادها كونها مجرد إجراء تنفيذي لتطبيق عقوبات أمريكية على كل من روسيا وفنزويلا وإيران، لتتحول إلى محطة مفصلية في مسار التوتر الأمريكي–الروسي.
طاردت القوات الأمريكية ناقلة النفط التي ترفع العلم الروسي بتهمة الانخراط فيما تطلق عليه أمريكا «أسطول الظل»، وهو شبكة من السفن تستخدم لنقل النفط والالتفاف على العقوبات المفروضة على روسيا وفنزويلا وإيران. لعبت بريطانيا دورًا داعمًا في العملية، حيث وفرت دعمًا لوجستيًا واستخباراتيًا ومراقبة بحرية، من دون أن تشارك فعليًا في الصعود على متن السفينة، وهو ما منح العملية غطاءً غربيًا مشتركًا، لكنه ليس غطاءً دوليًا رسميًا.
بررت واشنطن ما قامت به بالقول إن السفينة كانت تنتهك العقوبات الأمريكية وتشارك في أنشطة تهريب نفطي تمول دولًا تعتبرها الولايات المتحدة معادية، مؤكدة أن العملية ليست عدوانًا على روسيا، بل جزء من جهود إنفاذ القانون الأمريكي ومنع الالتفاف على منظومة العقوبات.
غير أن هذا التبرير اصطدم منذ اللحظة الأولى بإشكالية قانونية كبرى، إذ إن تلك العقوبات ليست صادرة عن مجلس الأمن الدولي، كما أن الاستيلاء جرى في مياه دولية، ما فتح الباب واسعًا أمام اتهامات بانتهاك مبدأ حرية الملاحة البحرية.
هذه الحادثة ليست الأولى أمريكيًا، فقد سبق لأمريكا أن احتجزت واستولت على ناقلات نفط إيرانية بين عامي 2019 و2023، بذريعة خرق العقوبات، ما أدى إلى تصعيد كبير في الخليج العربي واحتجاز متبادل للسفن. كما نفذت واشنطن عمليات مماثلة بحق سفن فنزويلية في البحر الكاريبي، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة في أمريكا اللاتينية. وفي حالات أخرى، مثل السفن الكورية الشمالية، استندت الولايات المتحدة إلى قرارات صادرة عن مجلس الأمن، وهو ما منح تلك العمليات غطاءً قانونيًا دوليًا نسبيًا.
غير أن الفرق الجوهري في الحالة الروسية يكمن في أن واشنطن كانت، حتى وقت قريب، تتجنب الاستيلاء القسري في البحر على سفن ترفع العلم الروسي، ما يجعل حادثة الكاريبي سابقة نوعية وخطيرة.
يرى محللون أن ما جرى يمثل فرضًا أمريكيًا لأمر واقع جديد في النظام الدولي. فهي لم تكتفِ بفرض عقوبات اقتصادية، بل حولتها إلى أداة عسكرية بحرية تنفذ بالقوة خارج حدودها، ومن دون تفويض دولي، وعلى حساب دولة كبرى.
وبهذا المعنى، توجه واشنطن رسالة واضحة مفادها أن من يخالف نظام العقوبات الأمريكي قد يعاقب بالقوة، حتى في أعالي البحار.
ما حدث من أمريكا يجعلنا نعتقد أنها تحولت من دولة عظمى إلى إمبراطورية تمارس الهيمنة على كل العالم، أو حسبما ترغب. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي اعتقد العالم وخبراء السياسة أن هذا الانهيار يعد خاتمة نهائية لحقبة الإمبراطوريات، تلك الحقبة التي تضرب جذورها في أعماق حضارات العصور المبكرة. لكن تغير الأمر بعد سنوات قليلة، وتبلور دور جديد أخذت تلعبه أمريكا بمفردها على مسرح السياسة العالمية.
صار العالم بين ليلة وضحاها يتحدث عن الإمبراطورية الأمريكية، وأصبح دورها هذا محل نقد يتسم بعداء شديد، نظرًا لأنه أعاد مظهرًا من مظاهر إمبراطوريات العصور الغابرة.
إن الإمبراطوريات ليست قوى عظمى فحسب، هي أكثر من ذلك، لها عالمها الخاص. الإمبراطوريات ترى في نفسها القوة التي أرست دعائم النظام العالمي السائد، وهي الضمانة الحقيقية لسلامة عمل هذا النظام، أي أنها ترى النظام القائم مرهونًا بإرادتها، وأن دورها أن تحافظ عليه وتصونه وتدافع عنه حتى لا تحدث الفوضى. فإذا راجعنا تاريخيًا عبارات «محور الشر» أو «دولة مارقة» أو «دولة إرهابية» وغير ذلك من العبارات، نجدها ليست شيئًا جديدًا أو حديثًا أو ينطوي على خصوصية للعصر الذي نعيشه؛ في الواقع هي عبارات تتكرر في تاريخ الإمبراطوريات، بل هي ظاهرة ملازمة لها.
تتمسك الإمبراطورية المهيمنة بالتشديد على الخوف من اندلاع الفوضى، لذلك تتقمص دور المدافع عن الخير والتصدي للشر، وهي تستخدم ذلك لشرعنة مواقفها، وأنها تتدخل في شؤون الدول الأخرى تنفيذًا لما تحتمه عليها رسالتها تجاه العالم. الإمبراطورية في الحقيقة دولة، لكنها تسيطر مباشرة على أراضٍ وشعوب متعددة خارج حدودها الأصلية، وغالبًا ما تكون هذه السيطرة عبر الاحتلال أو الاستعمار، وهي تحكم مناطق مختلفة سياسيًا وإداريًا، حتى لو كانت بعيدة جغرافيًا، وأمريكا تتأسى بالإمبراطورية الرومانية وترى فيها النموذج الذي تحتذيه.
لا تقف تداعيات ما حدث في شأن الناقلة عند حدود حادثة واحدة. فعلى مستوى العلاقات الأمريكية–الروسية، يعني ذلك توسيع ساحات الصراع من البر الأوكراني إلى البحار والمحيطات، ورفع احتمالات الاحتكاك غير المباشر، سواء عبر احتجاز سفن، أو تصعيد سيبراني، أو مواجهات اقتصادية واستخباراتية. كما يدفع روسيا، ومعها الصين وإيران، إلى تعزيز التنسيق البحري، ومرافقة السفن تجاريًا وعسكريًا، تحسبًا لتكرار مثل هذه العمليات.
أما على مستوى النظام الدولي، فإن استمرار هذا النهج يهدد بتآكل مبدأ حرية الملاحة، ويعزز منطق قانون القوة على حساب القانون الدولي، ويدفع العالم نحو مزيد من الاستقطاب والفوضى، حيث تتحول البحار من فضاء محايد للتجارة العالمية إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الكبرى.
لا يمكن تحليل واقعة احتجاز الناقلة الروسية في الكاريبي كحدث تقني أو أمني عابر، بل هي علامة فارقة على تحول عميق في أدوات الصراع الدولي. وهو تحول، إن استمر، لا ينذر فقط بتصعيد إضافي بين واشنطن وموسكو، بل بإعادة تشكيل النظام العالمي على أسس أكثر خشونة، حيث تفرض القواعد بالقوة لا بالتوافق.
- # الرئيس الأمريكي
- # الولايات المتحدة
- # إيران
- # عقوبات أمريكية
- # المحيط الأطلسي
- # القوات الأمريكية
- # الإمبراطور
- # لولايات المتحدة
- # الرئيس الأمريكى ترامب
- # أمريكي ترامب
- # غير مسبوقة
- # السواحل الفنزويلية
- # الفنزويلي
- # منطقة الكاريبي
- # احتلال
- # بريطانية
- # واشنطن وموسكو
- # الإمبراطورية
- # روسيا وفنزويلا
- # فنزويلي
- # ناقلة النفط
- # مقال رأي