رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عن «أي حق» تستند إليه الدنمارك في سيادتها على الإقليم، بهذه الكلمات الواضحة عبّر ستيفن ميلر، مستشار الأمن الداخلي ونائب رئيسة موظفي البيت الأبيض للشؤون السياسية، عن سياسة أمريكا تجاه هذه البقعة المتجمدة التي قد تتحول إلى كرة من اللهب.
فقد عاد اسم جرينلاند إلى الواجهة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ طرحه خلال ولايته فكرة شراء الجزيرة من الدنمارك، في خطوة بدت آنذاك صادمة، لكنها عكست في جوهرها رؤية أميركية أوسع تتجاوز الطابع الاستعراضي.

فجرينلاند أكبر جزيرة في العالم، تحتل موقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية في القطب الشمالي، وتكتسب أهمية متزايدة مع ذوبان الجليد وفتح ممرات بحرية جديدة، فضلًا عن ثرواتها المعدنية النادرة.
من هذا المنطلق، قرأ كثيرون طرح ترامب بوصفه رسالة سياسية موجهة لروسيا والصين أكثر من كونه عرضًا تجاريًا تقليديًا، وبينما قوبلت الفكرة برفض قاطع من كوبنهاجن، كشفت عن تحوّل في التفكير الأميركي تجاه القطب الشمالي باعتباره ساحة تنافس جيوسياسي جديدة لا تقل أهمية عن الشرق الأوسط أو بحر الصين الجنوبي.

هذه الجزيرة تجد نفسها عالقة بين مطرقة التاريخ الاستعماري الدانماركي وسندان الطموحات الأميركية التوسعية، حيث لا يبدو أن سكان الجزيرة البالغ عددهم 57 ألف نسمة مستعدون لمقايضة نفوذ أجنبي بآخر مهما بلغت المغريات، فإن تصريحات ترامب الأخيرة بشأن «الحاجة المطلقة» إلى جرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن العالمي لم تعد تُؤخذ على محمل الخطاب السياسي فقط. فالرئيس الأميركي، الذي لوّح منذ عام 2019 بإمكانية ضم الجزيرة، كرر بعد التطورات الأخيرة تأكيده أن الولايات المتحدة «ستحصل عليها بطريقة أو بأخرى»، في ظل ما يصفه بتزايد الوجود الروسي والصيني في محيط القطب الشمالي.

ترامب لم يُخفِ رغبته في شراء الجزيرة أو حتى استخدام القوة العسكرية للاستحواذ عليها، رغم أن ذلك قد يوجّه ضربة خطيرة لحلف شمال الأطلسي. فالجزيرة كانت لقرون طويلة جزءًا من الدانمارك – الدولة العضو في الناتو – وذلك منذ وصول المبشّر الدانماركي النرويجي هانس إيغه عام 1721، التي تتمتع بحكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك.

فلا يمكن فصل الحاضر عن الماضي؛ فالعلاقة مع الدنمارك، التي امتدت لأكثر من ألف عام، ليست مجرد شراكة تاريخية، بل برأيهم سجل طويل من الهيمنة والسياسات القسرية بدأ منذ وصول التبشير الاستعماري في القرن الـ18، وتطور إلى فضائح إنسانية مروعة تركت ندوبًا غائرة في ذاكرتهم الجمعية لم تندمل بعد، وهنا يراهن ترامب على هذه العلاقة المظلمة من أجل استبدال استعمار غربي باستعمار أميركي.

في هذا السياق التاريخي القاسي، تبدو تصريحات ترامب بالنسبة إلى كثير من الجرينلانديين امتدادًا لمنطق الهيمنة ذاته وإن اختلفت الرايات. وتشير صورة دونالد ترامب الابن، وهو يقف مبتسمًا أمام تمثال المبشّر الاستعماري هانس إيغه في العاصمة نوك خلال زيارة سياحية قبيل تنصيب والده عام 2025، لم تُستقبل باعتبارها مجاملة دبلوماسية، بل كرمز لاستعلاء جديد.

ورغم محاولات واشنطن كسب ودّ السكان عبر زيارات رسمية ووعود اقتصادية، فإن استطلاعات الرأي أظهرت أن 85% من الجرينلانديين يرفضون الانضمام إلى الولايات المتحدة، مقابل 6% فقط يؤيدون الفكرة.

ولهذا فقد طلب ترامب من قيادة العمليات الخاصة المشتركة إعداد خطة الغزو، إلا أن هيئة الأركان المشتركة عارضت الفكرة، محذّرة من تداعياتها القانونية والسياسية، ومن احتمال أن تؤدي إلى أزمة حادة داخل حلف شمال الأطلسي. بل إن قادة عسكريين حاولوا صرف انتباه ترامب نحو خيارات أقل إثارة للجدل، مثل اعتراض ما يُعرف بـ«أسطول الظل» الروسي المستخدم للتهرب من العقوبات الغربية، أو تنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران، وهي الأقرب حتى في ظل تصاعد وتيرة المظاهرات داخل إيران، وهو ما انسجم مع خطط إسرائيل بتوجيه ضربة مؤلمة لإيران.

وعلى الرغم من أن لندن تشارك واشنطن القلق من «العدوان الروسي المتزايد» في الشمال، لكنها تختلف معها بشأن أسلوب المعالجة، وهو ما دفع المسؤولين الأوروبيين لمناقشة «سيناريو تصعيدي» قد يستخدم فيه ترامب القوة أو «الإكراه السياسي» لقطع علاقة جرينلاند بالدانمارك. ووصفت أسوأ الاحتمالات بأنها قد تؤدي إلى تدمير حلف الناتو من الداخل.

وفي المقابل، تحدّثت البرقيات عن «سيناريو تسوية» توافق فيه الدانمارك على منح الولايات المتحدة وصولًا عسكريًا كاملًا إلى جرينلاند، مع منع أي نفوذ روسي أو صيني، ووضع الوجود الأميركي القائم أصلًا على أساس قانوني أوضح.

تأتي التحركات الأميركية بعدما دخل خفر السواحل الصيني القطب الشمالي لأول مرة في أكتوبر الماضي، في دورية مشتركة مع القوات الروسية، وكان البلدان قد أجريا تدريبات عسكرية مشتركة هناك، ونفّذت قاذفات بعيدة المدى من كلا البلدين دوريات استفزازية في المحيط المتجمد الشمالي بالقرب من ألاسكا في الولايات المتحدة.

ولهذا يبدو الأمر كما لو أن بكين وموسكو تنظران إلى حلف الناتو، الذي كثّف مناوراته في القطب الشمالي، وتقولان: يمكننا فعل ذلك أيضًا، فالقطب الشمالي «فرصة سهلة المنال» للتعاون الروسي الصيني.

حيث تحتاج روسيا إلى استثمارات وجهات تجارية فاعلة مهتمة بتطوير موارد القطب الشمالي، كموارد الغاز الطبيعي المسال وموارد النفط، أو تطوير طريق بحري شمالي كممر ملاحي. وهو ما جعل أميركا تستشعر الخطر من هذه التحركات، وحذّرت بأن قاعدة بيتوفيك الفضائية تقع فوق الدائرة القطبية الشمالية، وهي جزء من نظام إنذار مبكر لهجوم صاروخي، وأنه إذا تم إطلاق صاروخ من قبل دولة معادية أو غواصة معادية، فإن الجيش سينقل هذه المعلومات إلى البر الرئيسي، وسيتم تفعيل نظام الدفاع الصاروخي.

قد لا تكون جرينلاند للبيع، لكن اهتمام ترامب بها وضع القطب الشمالي على خريطة الصراع الدولي، وكرّس الجزيرة كورقة استراتيجية في حسابات القوى الكبرى.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء