إن عملية بناء الفرد في أي مجتمع من المجتمعات ليست بالعملية السهلة المُيسَّرة، ولا تقوم بها جهة واحدة، وإنما يتطلب الأمر تعاون مجموعة من المُنظمات والمؤسسات التعليمية لتتولى عملية البناء.
إن المجتمعات المتطلعة للنهوض والتنافس، تسعى جاهدة لتحسين أنظمتها التعليمية وتطويرها، لكون التعليم الأداة المثلى التي تستخدمها الدول في بناء الإنسان، ولكن الخطأ الأكثر شيوعًا في هذا المضمار، هو تركيز كل الجهود، أو جلها، على تنمية التلاميذ وبناء قدراتهم، وإغفال تنمية قدرات المعلمين ومهاراتهم.
ويقع هذا الإغفال ويتكرر، مع إدراك صانعي السياسات التربوية المسبق لكون المعلم هو المسؤول، والمأمول، في مجال تحقيق طموحات المجتمع وما يحلم به في حاضره ومستقبله، وتبرز هذه المكانة للمعلم في كونه صاحب الدور الأساسي في العملية التعليمية؛ لأنه أكثر أعضاء المدرسة احتكاكًا بالمتعلمين، وأكثرهم تفاعلًا معهم وتأثيرًا فيهم، فصلاح العملية التربوية وجودتها مرتبطان بصلاحه، ووهنها ناتج عن وهنه، وانطلاقًا من الدور الفعال الذي يضطلع به المعلم في أي نظام تربوي، وإيمانًا بفاعلية التأثير الذي يحدثه في تحديد نوعية التعليم.
إن للمعلم دورًا بالغ الخطر في بناء مجتمع الغد، من خلال التنشئة الاجتماعية للمتعلمين، ومن هنا تأتي أهمية المعلم في المجتمع، وتتأكد العناية به وتقديره كإنسان وكمواطن وكمهني بالدرجة الأولى، وفي ضوء الاتجاهات التربوية المعاصرة وظهور أنماط وطرق جديدة للتدريس، يتضح الحاجة إلى ضرورة تغيير أدوار المعلم، وبالتالي إعادة النظر في برامج إعداده وتدريبه على ضوء الأدوار والتحديات المعاصرة.
ولكي تكون هذه البرامج فاعلة، فإن ذلك يتطلب إحداث تطوير لها، سواء في أهدافها وآلياتها وأساليبها، لكي يتم من خلال هذا التطوير تخطي أوجه القصور الحالية، ومواكبة الاتجاهات المعاصرة في إعداد المعلم وتنميته مهنيًا.
ويرتبط نمو المعلم المهني بمدى إدراكه للمتطلبات التربوية لتحقيق هدف النمو والارتقاء في ظل هيمنة المعرفة والتكنولوجيا في عصرنا، التي تمثل التحديات والتغييرات السريعة والهائلة التي تجتاح دول العالم حاليًا.
وتتطلب إعادة تربية المعلم قبل التلميذ:
1) تحديد المتطلبات التربوية المطلوبة لتنمية المُعلم مهنيًا.
2) الوقوف على الاتجاهات العالمية المعاصرة في البلاد المتقدمة في مجال تدريب المُعلم وتنميته مهنيًا قبل ـ وفي أثناء ـ الخدمة.
وذلك انطلاقًا من كون التنمية المهنية نوعًا من التربية المستمرة للمعلمين، وفق برنامج مخطط ومنظم لتزويد المعلمين بالجوانب الأكاديمية التي تخصصوا فيها، والجوانب التربوية التي تتعلق بطرق التدريس ومهارات التواصل والتفاعل مع الطلاب وتقويم التعليم.
ويتطلب تنفيذ هذه الرؤية توفير الوسائل المناسبة لتطوير وتنمية الكفاءة المهنية للمعلم قبل ـ وفي أثناء ـ الخدمة، بهدف تزويد المعلم بالخبرات والكفاءات والاتجاهات والقيم داخل المؤسسات التربوية، ومساعدته على اكتساب الفاعلية والكفاءة والارتقاء بأدائه المهني حاضرًا ومستقبلًا، وتحقيق النمو المستمر.