رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يمثل سوق العاصمة، أحد أهم المؤشرات الحسّاسة على الاستقرارين الاقتصادي والسياسي في إيران، إذ إن أي اضطراب داخله سرعان ما يتجاوز طابعه المعيشي ليتحوّل إلى رسالة سياسية ذات صدى واسع.


ومن هذا المنطلق، اكتسبت الإغلاقات والاحتجاجات التي شهدتها مناطق متفرقة من السوق، من «چهارسو» و«باساج» و«علاء الدين» إلى أجزاء من سوق طهران الكبير، و«شوش»، و«لاله‌زار»، و«سعدي»، دلالاتٍ تتجاوز الاحتجاج على الأسعار، لتُعبّر عن أزمة ثقة متنامية في بنية الاقتصاد وقدرة الدولة على ضبطه.


ولهذا، كان متوقعًا، كما جرت العادة في خُطب الزعيم الإيراني علي خامنئي، أن يصعد المنبر للحديث عن تداعيات احتجاجات البازار. ومع ذلك، فإن تخصيص خطبة جمعة طهران المؤقتة للحديث عن احتجاجات تُوصَف بأنها مدعومة أمريكيًا وإسرائيليًا، كان سيُقرأ بوصفه اعترافًا صريحًا بتحقيق الخصوم غايتهم في إحداث اختلال أمني داخل إيران، وهو ما لا يريد النظام منحه، حتى ولو كان نصرًا رمزيًا.


لذلك، يُفسَّر قرار إلقاء بيان رسمي بمناسبة الذكرى التاريخية لانتفاضة (19 دي 1356 – 9 يناير 1978)، قبل خطبة الجمعة في 9 يناير 2026، أمام جموع أهالي مدينة قم، مركز النخبة الدينية الشيعية في الجمهورية الإسلامية، رغم تفاقم الاحتجاجات وتداعيات أعمال الشغب، بوصفه قرارًا محمّلًا بدلالات سياسية واضحة، أبرزها:
-تثبيت موقف الدولة في التصدي لما تصفه بالمخرّبين وحلفائهم.


-توجيه رسالة مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تؤكد الاستعداد لخوض الصدام وتحمل تبعاته.
وهو ما يعني أن القيادة الإيرانية قد اختارت نهج المواجهة المباشرة، في ظل التهديدات الأمريكية المتكررة بالتدخل العسكري، مقابل تجاهل الخطاب الغربي لأعمال العنف والتخريب التي أخرجت الاحتجاجات عن إطارها السلمي.
كما لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن أدوات المناورة الأمريكية–الإسرائيلية في صراعها المرتقب مع إيران، خاصة مع نجاح طهران في تعزيز منظوماتها الدفاعية الجوية والصاروخية، وفرضها مستوى عاليًا من السرية على برنامجها النووي، ما جعل النظام الإيراني مصدر إزعاج استراتيجي حقيقي لخصومه.


في المقابل، ساهم سيلٌ كثيف من الأخبار المنحازة للمعارضة في دفع العديد من القنوات والمنصات التي كانت تُصنف «حيادية» إلى التخلي عن المهنية، ليبدو المشهد الإعلامي وكأن إيران قد دُمّرت بالكامل، كما تروج له قنوات مثل «منو وتو» و«إيران إنترناشيونال».


وأمام هذا الخطاب، برز دور القنوات الإيرانية الناشطة على تطبيق تلغرام في نقل صورة مغايرة لواقع الشارع الإيراني، وكشف حجم الانقسام الحقيقي داخل صفوف المحتجّين، بين: فئة تحتج على تدهور الأوضاع الاقتصادية وتنتقد مثيري الشغب. وأخرى غير منخرطة فعليًا في الاحتجاجات، بل تجاوزت التخريب إلى الاعتداء على المواطنين، وصولًا إلى حرقهم أحياء، كما حدث في مدينة مرودشت جنوب إيران عصر الجمعة 9 يناير 2026.


وتؤكد هذه الحوادث، من وجهة نظر القيادة، وجود اندساس خارجي يهدف إلى إنهاك الداخل الإيراني وتوسيع الفجوة بين المجتمع والدولة، إلى جانب استنزاف الشرعية الرمزية للنظام، لا قدراته العسكرية، كإحدى أدوات زعزعة الجمهورية الإسلامية.


وفي هذا السياق، يعيد قطع خدمات الإنترنت لليوم السادس على التوالي إلى الأذهان أسبوع الانقطاع الكامل خلال حرب الاثني عشر يومًا، حين نشرت وزارة الاستخبارات والأمن القومي تقارير تفيد بتورط منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وإكس في أنشطة تجسسية.


واليوم، ترى طهران أن هذه المنصات تُستغل في تأجيج الشباب، ودفعهم للانتقال من المطالبة بالإصلاح الاقتصادي إلى مسارات تخريبية بلا أفق سياسي أو اجتماعي واضح.


لذلك، يُنظر إلى إعلان وزارة الداخلية الإيرانية مساء الجمعة 9 يناير 2026، الذي أكد الاستجابة لمطالب الشعب بشأن التعامل بحزم مع المخرّبين المسلحين ومخلّي الأمن والاستقرار، بالتزامن مع قطع الإنترنت والتشويش على خدمة «ستارلينك»، كتوجهٍ مؤسسي للتعامل مع الأزمة بوصفها تهديدًا سياديًا يستدعي إجراءات وقائية، بهدف منع تحويل الاحتجاجات وعمليات الاعتقال إلى أداة حرب هجينة تُستخدم لاحقًا لتبرير التدخل الأمريكي أو فرض عقوبات أوسع، مع الحرص على فرض السيطرة الأمنية دون انكشاف إعلامي واسع.


ولا تُعد هذه الخطوة سابقة جديدة، بل امتدادًا لخبرة متراكمة في احتواء الاحتجاجات عبر مركزية القرار الأمني، والسيطرة على الفضاء المعلوماتي، وتوظيف خطاب القيادة الرافض للتدخل الخارجي، وهي الأدوات ذاتها التي أثبتت فعاليتها في احتجاجات أعوام 2009 و2019 و2022.


ومن حيث النتيجة الأمنية البحتة، تبدو هذه المقاربة مرشّحة للنجاح مجددًا، في ظل غياب قيادة موحّدة للاحتجاجات، وعدم تحوّلها إلى عصيان مدني شامل حتى الآن.


غير أن احتواء الاحتجاجات لا يعني بالضرورة احتواء الأزمة، إذ يظل تفادي تفاقمها أو تكرارها مرهونًا بقدرة القيادة الإيرانية على تنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية تمس شبكات المصالح، لا الاكتفاء بالمسكنات والخطابات.
فإن نجحت، سيحصل نظام الجمهورية الإسلامية على فرصة لإعادة إنتاج شرعيته الوطنية. وإن فشلت، فسيكون الثمن تآكلًا بطيئًا، لكنه عميق، في الثقة بين الشارع والسلطة.
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء