لم يكن تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَدُ الحَرَّانِيُّ الدِّمَشْقيُّ الشهير بـ"ابْنُ تَيْمِيَّة" سوى دفترٍ فقهيٍّ شاملٍ لأسس وضوابط التكفير، التي مثّلت مقياسًا شرعيًا لمجمل مناحي حياة المسلمين وغيرهم، والتي مزجت ما بين لعنة الخروج من السياق الإسلامي وشرعنة القتل، ممهدةً الطريق للمرجعيات الفكرية ومنظّري الجماعات الأصولية وتيارات السلفية الجهادية، عبر صيغٍ فقهيةٍ دستوريةٍ ساهمت في بناء منظومتها العابرة للحدود والقارات.
فرضيةُ الانتقائية والتأويلية في فقه ابن تيمية وفتاويه من قبل التنظيمات الإرهابية المتطرفة، وزعمُ الانحراف بها في سياقٍ تاريخيٍّ مغايرٍ عما طُرحت فيه في أجوائها الظرفية والزمنية، تمنح ابن تيمية فرصة التهرّب من إرثه الفقهي، وعدم تحمّل ما صاغته أنامله وفق دوافع طائفية سياسية؛ فأطلق مصطلح "الطائفة الممتنعة"، أي "طائفة انتسبت إلى الإسلام وامتنعت عن تطبيق بعض شرائعه الظاهرة المتواترة"، والتي أُسقطت على النظم الحاكمة في واقعنا المعاصر، وفق ما أورده في كتابه "الفتاوى الكبرى"، معتبرًا إياهم وأعوانهم وجب قتالهم "وإن صلّوا وصاموا"، حتى يكون الدين كله لله، في صياغةٍ لنظرية "الحاكمية"، التي تشبّع بها أبو الأعلى المودودي، ومن ورائه سيد قطب، وشكري مصطفى، ونبيل البرعي، ومحمد عبد السلام فرج، والسيد فضل، وأسامة بن لادن، وأبو مصعب الزرقاوي، وغيرهم.
ففي كتابه "دقائق التفسير" يقول ابن تيمية: "فأعوان الطائفة الممتنعة وأنصارها منها فيما لهم وعليهم"، وفي كتاب "الفتاوى" يقول: "أجمع علماء الأمة على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله، فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضة، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا والميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها، والتي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تُقاتل عليها وإن كانت مقرّة بها".
فتاوى ابن تيمية، التي قيل إنها انتُزعت من سياقها، لم تكن سوى تعبير عن انحيازٍ لفريقٍ على حساب فريقٍ آخر، وفق معاداةٍ سياسيةٍ تاريخيةٍ بحتة، مثلما فعل في فتوى مدينة "ماردين" التركية، حينما قرر "المغول" (الذين أعلنوا إسلامهم) غزو مناطق مصر والشام، وذلك بعد اعتناق الأمير غازان بن أرغون الإسلام عام (694هـ/1295م)، والذي أنتج خطابًا سياسيًا تجاه المماليك عقب صعودهم كقوةٍ متنازعة.
وهي الوقائع التي ذكرها المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك" قائلًا: "كتب غازان إلى السلطان الناصر محمد بن قلاوون يقول: نحن وإياكم من أمة محمد، فهلمّوا إلى الطاعة، ولا تكونوا سبب الفتنة"، وعلى إثر هذا التنازع بين "المغول المسلمين" و"المماليك المسلمين"، انتقل الصراع من دائرة الحرب مع الوثنيين إلى حربٍ "أهليةٍ إسلامية".
وهي الأزمة السياسية التي انحاز فيها ابن تيمية إلى الفريق المملوكي، داعيًا ومبرّرًا حمل السلاح ضد "المغول"، بعدما وصفهم في إحدى رسائله بأن هؤلاء القوم –يقصد المغول– قد دخلوا في الإسلام، ولكنهم ما زالوا يحكمون بغير ما أنزل الله، والقتال معهم إنما هو قتال من يقاتل المسلمين، لا قتال من أجل الدين، وذلك بحسب ما ورد في "الفتاوى الكبرى"، وبناءً عليها انتصر المماليك في معركة "شقحب" على المغول (702هـ)، والتي لعبت فيها فتاوى ابن تيمية دور البطولة الفقهية في شرعنة قتال "المغول" باعتبارهم "كفارًا"، والتأثير على إرادة المسلمين وميولهم، ما يعني أن فتاوى ابن تيمية صدرت لنصرة فريقٍ ضد فريقٍ آخر، وليست من قبيل التفرقة بين الكفر والإيمان.
يُضاف إلى ذلك فتواه بتقسيم بلاد المسلمين إلى "ديار إيمان" و"ديار كفر"، ليسقط عليها أحكام القتال والتكفير، وفتواه حول ما يُعرف بـ"فقه التترس"، أي جواز قتل المسلمين إذا احتمى فيهم الكفار، إضافةً إلى ما يزيد على 400 فتوى أجاز فيها قتل المسلم لأخيه تحت عنوان "يُستتاب أو يُقتل"، من بينها: "الرجل البالغ إذا امتنع من صلاة واحدة من الصلوات الخمس أو ترك بعض فرائضها المتفق عليها فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل"، و "من جهر بنية الصلاة معتقدًا أنه واجب يُستتاب وإلا قُتل"، و "من اعتقد بوجوب اتباع إمام واحد دون غيره يُستتاب وإلا قُتل"، و "من قال: على المسافر أن يصلي أربعًا يُستتاب وإلا قُتل"، و "من أوّل الآية {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} يُستتاب وإلا قُتل"، و "من لا يقول إن الله فوق سماواته على عرشه يُستتاب وإلا قُتل"، و "من قال لا يجوز الفطر في السفر إلا عند العجز يُستتاب وإلا قُتل"، و "من أفتى بغضب الله على من سلّم ساهيًا في الصلاة يُستتاب وإلا قُتل"، و "من يقف في عرفات في غير وقت الحج للتعبد أو لغيره يُستتاب وإلا قُتل"، و "من يحتفل بعيد النصارى تقربًا إلى الله يُستتاب وإلا قُتل".
الغريب أن ابن تيمية، في مجموع فتاويه، دلّس على أتباعه من خلال استخدام مرادفات مثل: "اتفاق العلماء"، و"اتفاق المسلمين"، و"أجمع المسلمون"، و"اتفق السلف"، و"اتفق أهل السنة"، و"أجمع أهل العلم"، و"باتفاق الصحابة"، و"أجمع العلماء"، و"فلا خلاف بين الأمة"، في العديد من القضايا الخلافية التي خالف فيها الكثير من معاصريه وسابقيه، والتي وردت فيما يزيد على 800 موضع، ما يمثل نوعًا من الكذب والافتراء للتدليل على منطلقاته الفقهية، فليس هناك أقوى مما ذكره الإمام أحمد بن حنبل في مقولته: "من ادعى الإجماع فهو كاذب".
صيغ التفكير ومنهجية القتل في فتاوى ابن تيمية اعتمدها محمد بن عبد الوهاب، وتوسّع في التكفير وإدخال بعض الخلافيات الفقهية في باب "الشركيات"، محيلًا "المسائل الفقهية" الفرعية المختلف عليها إلى قائمة "المسائل العقائدية" الكبرى، جاعلًا مسائل التبرك والتوسل والاستغاثة والشفاعة ضمن "الكفريات"، والتي وظّفها كذلك في تبرير مذابح حجيج الشام واليمن وإيران، وهدم مقامات الصحابة وأمهات المؤمنين.
تاريخيًا وعمليًا تحولت فتاوى ابن تيمية إلى دستور لمختلف التنظيمات الأصولية والتيارات السلفية، فلم يخلُ إنتاجهم الفكري من الأطر الفقهية التي صاغها ابن تيمية، ابتداءً من الجماعة الإسلامية وتنظيمات الجهاد، والتكفير والهجرة، و"داعش" و"القاعدة" و"بوكو حرام" و"شباب المجاهدين"، وغيرهم.
تعددُ الانحرافات الفقهية والفكرية لابن تيمية دفع عددًا من معاصريه إلى نقده والتحذير مما سطّره في كتبه، ومنهم الإمام الحافظ تقي الدين السبكي الشافعي، الذي قال عن ابن تيمية في كتابه "الدرة المضيئة" إنه خرج عن الاتباع إلى الابتداع، وشذّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع.
كما حذّر منه الإمام ابن حجر الهيتمي في كتابه "الفتاوى الحديثية" فقال: "إياك أن تُصغي إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهما، ممن اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله، وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود وتعدّوا الرسوم وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة، فظنوا بذلك أنهم على هدى من ربهم وليسوا كذلك".
كما أصدر الملك محمد بن قلاوون منشورًا ليُقرأ على المنابر في مصر وبلاد الشام للتحذير من ابن تيمية وأتباعه، وكان الإمام شمس الدين الذهبي، أحد معاصري ابن تيمية، قد مدحه في بداية الأمر، لكنه تراجع وعاد يحذّر من كلامه، فقال ناصحًا ومحذّرًا لابن تيمية: "يا خيبة من اتبعك، فإنه معرّض للزندقة والانحلال، ولا سيما إذا كان قليل العلم والدين، لكنه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه، وفي الباطن عدو لك بحاله وقلبه".
ابن تيمية، الذي اتُخذت فتاواه ذريعة لذبح وقتل الأقليات المسلمة على أيدي المماليك في لبنان وغيرها من الدول الإسلامية، ومرجعًا "فقه التوحش" والإبادة والحرق و"التمثيل والذبح" بجثث المسلمين وغيرهم، مثلما حاول أن يتهرّب من مسؤوليته عن بث سمومه الفكرية على مدار تاريخه، متفاديًا الانتقادات التي طالته من علماء عصره، بكونه ذا ميول وتوجهات سياسية، ليطلق مقولته الشهيرة: "أنا رجل ملة لا رجل دولة".
أزمة ابن تيمية الحقيقية لا تقتصر على كونه مجرد فقيه اجتهد فجانبه الصواب، إنما فيما تركه من إرثٍ فقهيٍّ متوارثٍ غيّر معالم الدين وبدّل مقاصد الشريعة، ووجد من "الغلاة" من يقدّسه ويصنع منه دستورًا ليقتفي أثره كل الفرق الأصولية التي تنبت التكفير منهجًا، وكتبت فصولًا من التوحش والعنف، وتسببت في تفكيك وتمزيق وحدة العالم العربي والإسلامي، تحت مزاعم التحدث نيابةً عن الله في أرضه وبين عباده، وأمعنت في دور "شرطي العقيدة".
عمرو فاروق*