800 مليار دولار.. هل تضحي أوروبا بمعاشات مواطنيها لتمويل أوكرانيا؟
مع بداية عام 2026، فجّر رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان جدلًا واسعًا داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما كشف أرقامًا وصفها بـ«الصادمة» حول تكلفة دعم أوكرانيا، محذرًا من أن القارة العجوز تتجه نحو ما سماه «انتحارًا اقتصاديًا بطيئًا» على حساب رفاهية مواطنيها، خاصة أنظمة المعاشات والدعم الاجتماعي.

وخلال خطاب سياسي اعتبره مراقبون من أكثر خطاباته حدة، أعلن أوربان أن كييف تقدمت بطلب رسمي للحصول على 800 مليار دولار لتغطية النفقات «غير العسكرية» فقط خلال العقد المقبل، وهو رقم يعكس – بحسب قوله – حجم العبء الحقيقي الذي تتحمله الدول الأوروبية بعيدًا عن الشعارات السياسية.
أرقام تهدد الرفاه الاجتماعي
وأوضح أوربان أن هذا المبلغ وحده يكفي لتمويل معاشات المواطنين في المجر لمدة 40 عامًا، أو دعم الأسر المجرية اجتماعيًا واقتصاديًا لما يقرب من 60 عامًا كاملة، متسائلًا: «كيف يمكن تبرير اقتطاع موارد الأجيال القادمة لتمويل صراع طويل الأمد؟»، حيث أشار إلى أن دولًا أوروبية أخرى ستواجه السيناريو ذاته، مع اتساع فجوة العجز المالي، وارتفاع الديون السيادية، في وقت تعاني فيه الاقتصادات الأوروبية من تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف المعيشة.
تقرير سري وضغوط أوروبية
وكشف رئيس الوزراء المجري عن تقرير وصفه بـ«الحساس» أعده وزير الشؤون الأوروبية يانوش بوكا، يؤكد – بحسب أوربان – أن بروكسل تمارس ضغوطًا مباشرة على بودابست لتفكيك بعض مكتسبات دولة الرفاه، وعلى رأسها المعاشات الإضافية ودعم الطاقة، بهدف إعادة توجيه الموارد لتمويل التزامات الاتحاد تجاه أوكرانيا، حيث أكد أن هذه الضغوط تأتي ضمن توجه أوسع داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي لإعادة هيكلة الإنفاق العام، بما يحوّل الاقتصادات الوطنية تدريجيًا إلى «اقتصادات حرب».

الحرب أم السلام؟
ومع اقتراب الانتخابات العامة في المجر عام 2026، رفع أوربان شعارًا سياسيًا واضحًا: «إما حماية رخاء المواطن، أو الانزلاق إلى صندوق الديون الأوروبية»، معتبرًا أن الناخب المجري سيكون أمام خيار مصيري بين نموذج دولة الرفاه أو الانخراط في صراعات طويلة الأمد تستنزف الموارد، حيث قال أوربان صراحة: «بروكسل تريد تحويل اقتصادنا إلى اقتصاد حرب، ونحن نرفض التضحية برخاء المواطن المجري من أجل صراعات لا تنتهي».
أوروبا بين واشنطن وبروكسل
وتأتي تصريحات أوربان في توقيت حساس، خاصة مع ما وصفه مراقبون بـ«الانسحاب التدريجي» للرئيس الأميركي دونالد ترامب من سياسة التمويل المفتوح لأوكرانيا، ما يزيد الضغوط على الاتحاد الأوروبي لتحمل العبء الأكبر منفردًا، ويرى أوربان أن هذا التحول يكشف هشاشة الرؤية الاقتصادية الأوروبية، ويضع القارة أمام اختبار قاسٍ لأولوياتها: هل تُقدّم الاستقرار الاجتماعي لمواطنيها، أم تستمر في سياسات الدعم المفتوح مهما كانت التكلفة؟
جدل مفتوح
وبين من يعتبر أوربان «صوت العقل الاقتصادي» داخل الاتحاد الأوروبي، ومن يتهمه بتوظيف الأرقام سياسيًا، يبقى السؤال مطروحًا بقوة:
هل تبالغ المجر في تحذيراتها، أم أن أوروبا بالفعل بدأت تفقد بوصلتها الاقتصادية؟
الأسابيع المقبلة، ومع تصاعد النقاش داخل مؤسسات الاتحاد، قد تكشف ما إذا كانت «قنبلة أوربان الرقمية» مجرد إنذار مبكر، أم بداية تصدع حقيقي في نموذج أوروبا الاقتصادي.