تعيش العلاقات عبر الأطلسي حالة من الارتباك الاستراتيجي غير المسبوق؛ حيث لم يعد العدو الخارجي هو المصدر الوحيد للقلق، بل الأطماع الداخلية بين الحلفاء أنفسهم، فجزيرة جرينلاند، التي تصر الدنمارك على أنها ليست للبيع، أصبحت في العقيدة الأمنية الأمريكية ضرورة حتمية لا تقبل التأجيل. هذا الصدام بين السيادة الأوروبية والبراجماتية الأمريكية يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة تبدأ من الاستحواذ الناعم، وقد تنتهي بتمزيق المادة الخامسة لحلف الناتو، في وقت تراقب فيه روسيا والصين هذا الشرخ بانتظار لحظة الانقضاض.
ففي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام العالمي، عادت قضية جزيرة جرينلاند لتصبح بؤرة صراع لا تتعلق فقط بالسيادة، بل برسم ملامح القوى العظمى في القرن الحادي والعشرين، فالدوافع الأمريكية أكبر من مجرد السيطرة على ثروات أو مشروعات استثمارية فقط فالإدارة الأمريكية الحالية لا تنظر إلي جزيرة جرينلاند كأرض، بل كمنصة استراتيجية تخدم أهداف كبرى، كالعمق الدفاعي للسيطرة على "فجوة جيوك" -بين جرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة- والتي تعد المخرج الوحيد للغواصات الروسية.
كما تضم الجزيرة احتياطيات ضخمة من المعادن النادرة والنفط والغاز، التي تكشفت بفعل ذوبان الجليد.
وأيضا فرصة لقطع الطريق على المنافسين؛ حيث تخشى واشنطن من طريق الحرير القطبي الذي تحدثت عنه الصين والوجود العسكري الروسي المتنامي.
فمن خلال نظرة الولايات المتحدة الأمريكية لها لم تعد مجرد جزيرة متجمدة، بل أصبحت بمثابة "برميل بارود" قد يفجر العلاقات عبر الأطلسي إذا لم يتم التعامل معه بحرص وحذر. واشنطن التي ترى فيها ضرورة للأمن القومي الأمريكي، وأوروبا التي تراها اختبارًا صعبًا لسيادتها وقيمها وكبريائها وبين الموقفين ينادي فريق بمخرج قد يمنع الصدام وهو "التحول من منطق الملكية إلى منطق الشراكة الأمنية، وإلا فإن العالم قد يشهد إعادة رسم للخرائط والتحالفات من القطب الشمالي.
ومن هذه النظرة تعيش العلاقة عبر الأطلسي حالة من الارتباك الاستراتيجي؛ فبينما تظل أوروبا الحليف التقليدي للولايات المتحدة، فقد تسببت رغبة الولايات المتحدة المتصاعدة بشدة للسيطرة علي الجزيرة في شرخ كبير؛ حيث ترفض المفوضية الأوروبية والدول الإسكندنافية أي مساس بالسيادة الدنماركية، معتبرة أن التهديدات الأمريكية تقوّض أسس القانون الدولي.
كما حذر القادة الأوروبيون من أن أي تحرك أحادي ضد حليف وهو هنا دولة الدنمارك يعني عمليًا نهاية حلف الناتو وسقوط المادة الخامسة للدفاع المشترك.
وهنا يجب أن نؤكد أن هناك تيارًا أوروبيًا-أمريكيًا يدعو لـحل وسط يتمثل في استثمارات أمريكية-أوروبية مشتركة لتطوير موارد الجزيرة، مع بقاء السيادة للدنمارك، لضمان استقرار التحالف.
أما عن موقف روسيا والصين فتنظر لدولتان إلى هذا التوتر بـترقب حذر، ومحاولة للاستثمار في الخلاف الأمريكي الأوروبي، فروسيا ترى في السيطرة الأمريكية تهديدًا مباشرًا لأسطول الشمال الروسي، وقد تستغل التوتر الأمريكي-الأوروبي لتعزيز نفوذها في القطب الشمالي بقدر أكبر وتقدم نفسها كمدافع عن توازن القوى.
أما الصين فتستمر في التلويح بتقديم استثمارات اقتصادية لجرينلاند في مشروعات البنية التحتية والمطارات والمناجم لإغراء النخبة المحلية بالاستقلال الاقتصادي عن واشنطن.
وبالحديث عن السيناريوهات المحتملة لمستقبل العلاقة عبر الأطلسي بشأن جزيرة جرينلاند نستطيع أن نضع مجموعة من السيناريوهات:
أولها: سيناريو الاستحواذ الناعم من خلال ضغوط اقتصادية وسياسية مكثفة تجبر الدنمارك على منح واشنطن حقوق إدارة حصرية، قد يخفي هذا السيناريو توتر مكتوم مع أوروبا، لكن مع الحفاظ على هيكل الناتو، وهذا المسار مضمون وواقعي وقد يكون أقل تكلفة للجميع.
السيناريو الثاني: وهو الانفجار الأطلسي يكون عبر تحرك أمريكي أحادي (عسكري أو سيادي) لضم الجزيرة بالقوة أو فرض واقع جديد، ينهار معه حلف الناتو عمليًا، وتحدث قطيعة دبلوماسية مع أوروبا، وتتجه أوروبا للاستقلال الدفاعي الكامل، وخروج القواعد العسكرية الأمريكية من أوروبا وهو سيناريو بعيد الحدوث في المدي المنظور؛ حيث ستقف ضده أوروبا وحتي النواب الأمريكيون والنخبة وقطاع عريض من الشعب الأمريكي.
السيناريو الثالث: وهو المبني على الشراكة الاستراتيجية اتفاق ثلاثي (أمريكا، الدنمارك، جرينلاند) تعمل هذه الأطراف على زيادة الوجود العسكري مقابل تنمية اقتصادية ضخمة. بقاء التحالف "شكليًا"، مع تحول جرينلاند إلى محمية أمريكية فعليًا، وهو أيضًا سيناريو قابل للتحقق في ظل تعاون أمريكي أوروبي تفاديًا للصدام.
السيناريو الرابع: وهو قائم على تدويل القضية عبر ضغط روسي صيني، وقدم تنضم إليهم أوروبا في الأمم المتحدة لمنع "عسكرة" جرينلاند، وبقاء الوضع الراهن مع استمرار الحرب الباردة القطبية.