عبد الباسط صديق: الجامعات المتخصصة مستقبل التعليم العالي|حوار
أثار عزمُ وزارةِ التعليم العالي والبحث العلمي على إنشاء جيلٍ جديدٍ من الجامعات المتخصصة، مثل جامعات الغذاء، وعلوم الرياضة، والنقل، والسياحة، خلال الفترة المقبلة، تساؤلاتٍ عديدة حول جدوى هذه الجامعات، وما إذا كانت ستكون بديلةً للكليات المتخصصة في الجامعات الأخرى، فضلًا عن طبيعة المناهج الدراسية، ومدى توافر الإمكانات اللوجستية والفنية اللازمة لها، والمقترحات الكفيلة بضمان استدامة التخصصات وبرامج هذه الجامعات.
«إيجبتك» حاورت الدكتورة عبد الباسط صديق، الخبير في اللوائح التنظيمية للجامعات وعضو هيئة التدريس بجامعة الإسكندرية، للحديث عن الاتجاهات الحديثة عالميًا في إنشاء الجامعات المتخصصة، وجدوى هذا المشروع الجديد، وآليات ربطه بالكليات المتخصصة في الجامعات الأخرى، وكيف تعيد الجامعات المتخصصة رسم خريطة التعليم العالي؟
في البداية، كيف ترون الاتجاه الحديث نحو إنشاء الجامعات المتخصصة بدلًا من نموذج الكليات المتعددة داخل الجامعة الواحدة؟
الاتجاه نحو إنشاء الجامعات المتخصصة يعكس تحولًا استراتيجيًا في فلسفة التعليم العالي، يقوم على الانتقال من نموذج التوسع الكمي إلى نموذج التخصص الدقيق والجودة النوعية، والرؤية المستقبلية للجامعة المتخصصة تقوم على بناء منظومة تعليمية متماسكة، تركّز على مجالات معرفية محددة، وتعمل على مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل المتغيرة، وكذلك مع التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة.
وهذا النموذج يتيح درجة عالية من المرونة في تنظيم وتحديث البرامج الأكاديمية، ويشجع على التخصصات البينية والتكامل بين الكليات، بما يسهم في خلق بيئة معرفية متكاملة تدعم الابتكار والبحث العلمي التطبيقي، بدلًا من التشتت الذي قد ينتج عن تعدد الكليات غير المتجانسة داخل الجامعة الواحدة.
كيف تنعكس هذه الرؤية على العلاقة بين الكليات داخل الجامعة المتخصصة؟
جوهر الجامعة المتخصصة لا يقوم على العزل بين الكليات، بل على تعميق التكامل بينها، خاصة الكليات المتشابهة أو المتقاطعة في التخصصات، والرؤية الحديثة تهتم بتنمية العلاقات البينية من خلال آليات تنسيق فعالة، تعزز التعاون بين الأقسام العلمية، وتفتح مساحات للتفاعل المشترك بين الطلاب، والباحثين، وأعضاء هيئة التدريس.
كما أن هذا التكامل ينعكس بشكل مباشر على جودة المخرجات التعليمية والبحثية، لافتًا إلى أن الاعتماد التخصصي وأطر الجودة المستدامة أصبحا عنصرين أساسيين لضمان استمرارية التميز، إلى جانب الاستثمار المستمر في تنمية القدرات البشرية ورفع كفاءة أعضاء هيئة التدريس.

وما دور التكنولوجيا والتحول الرقمي في هذا النموذج؟
الجامعات المتخصصة لا يمكن أن تنجح دون تبني أحدث التقنيات والأنظمة الرقمية، سواء في إدارة الموارد، أو البحث العلمي، أو العملية التعليمية. فالنظم الرقمية الحديثة تيسر التنسيق بين الكليات، وتسهم في رفع كفاءة اتخاذ القرار، وتحسين جودة التعليم.
والاستثمار المالي المستدام يمثل تحديًا رئيسيًا، إذ يجب تحقيق توازن دقيق بين تحديث البنية التحتية وتوفير بيئة تعليمية محفزة، وهنا تكمن أهمية التعاون مع المؤسسات الصناعية والمجتمعات المحلية، باعتباره عنصرًا محوريًا في تعزيز فرص التوظيف، وربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي.

كيف يمكن تعريف الكليات المتخصصة داخل الجامعة الواحدة؟
الكليات المتخصصة تمثل إطارًا مؤسسيًا حديثًا داخل الجامعة، يركز على تطوير مجالات معرفية محددة وفق رؤية استراتيجية واضحة، وهي وحدات أكاديمية متكاملة، تستهدف تعزيز الجودة والابتكار في التدريس والبحث، مع تحقيق تكامل وظيفي واحترافي بين مختلف الكليات والمراكز العلمية، وهذه الكليات تُنشأ وفق هيكلة تنظيمية واضحة تمنحها قدرًا من الاستقلالية النسبية، مع بقائها ضمن الإطار العام للجامعة، وهو ما يتيح الاستفادة القصوى من الموارد البشرية والمادية، ويعزز من قدرة الجامعة على استقطاب الكفاءات الوطنية والدولية.
ما أبرز الدوافع التي تفرض تبني هذا النموذج في الوقت الحالي؟
الدوافع متعددة، يأتي في مقدمتها التغير السريع في متطلبات سوق العمل، والنمو المتسارع للمعرفة، والحاجة المتزايدة إلى تخصصات دقيقة قادرة على التعامل مع تحديات العصر. كما أن تحسين جودة التعليم والبحث العلمي يتطلب هياكل تنظيمية مرنة تسمح بالتخصص العميق والتكامل بين الكليات.
كما أن الظروف الاقتصادية الحديثة تفرض ضرورة إعداد كفاءات فنية وتخصصية عالية، وهو ما يتحقق من خلال دمج الموارد وتبادل الخبرات، وتقليل التكرار في البرامج الأكاديمية، بما يمنح الطلاب فرصًا أوسع للتعمق والتميز، ويعزز القدرة التنافسية للجامعة على المستويين المحلي والدولي.
كيف ترون البنية التنظيمية للكليات المتخصصة داخل جامعة موحدة؟
نجاح هذا النموذج يعتمد على بنية تنظيمية مرنة ومتكاملة، تقوم على إنشاء كيانات أكاديمية متخصصة ذات خبرة واضحة وإمكانات حقيقية في مجالاتها، ويتم تنظيم هذه الكيانات بما يضمن توحيد الأهداف الاستراتيجية مع الرؤية العامة للجامعة، مع تطوير مناهج متكاملة ترتبط بأهداف التنمية المستدامة، كما أن الأنظمة الإدارية المرنة، ونظم المعلومات الحديثة، والبنية التقنية المتطورة، كلها عوامل حاسمة في دعم التنسيق بين الكليات، إلى جانب برامج التنمية المهنية المستمرة لأعضاء هيئة التدريس.
ما آليات التنسيق المطلوبة بين الكليات داخل الجامعة المتخصصة؟
التنسيق الفعال هو حجر الأساس في نجاح الجامعات المتخصصة. ويتطلب ذلك تحديد الأدوار والصلاحيات بدقة، وتفعيل لجان مشتركة، وتوحيد المعايير الأكاديمية، وإنشاء نظم إلكترونية داعمة للتواصل ومتابعة الأداء، كما يشدد على أهمية تشجيع البحث العلمي المشترك، والمشاريع البينية، وتبادل الخبرات، وترسيخ ثقافة تنظيمية تقوم على التعاون وتدفق المعرفة، مع التقييم الدوري لآليات التنسيق وتطويرها وفق المتغيرات.
وما دور أعضاء هيئة التدريس في هذا النموذج؟
أعضاء هيئة التدريس يمثلون القوة المحركة للجامعة المتخصصة، فهم شركاء في تصميم البرامج الأكاديمية، وتنفيذ البحث التطبيقي، وربط المعرفة النظرية بمتطلبات الواقع ، ومن الضرورة الاستثمار في تدريبهم المستمر، ورفع قدراتهم البحثية، وتشجيعهم على العمل الجماعي والمشروعات المشتركة.
كيف تصفون التصور التربوي والبرامجي للجامعة الواحدة المتخصصة؟
التصور التربوي يقوم على بناء نظام تعليمي متكامل، يربط بين التخصصات المختلفة، ويعتمد على استراتيجيات حديثة مثل التعلم القائم على المشروعات، والتعلم التعاوني، والتعليم المستند إلى البحث. كما يركز على دمج التكنولوجيا، وإشراك المجتمع والصناعة في تصميم البرامج، وبناء خريج يمتلك مهارات التفكير النقدي والابتكار والتعلم مدى الحياة.
ما أبرز التحديات، وكيف يمكن تجاوزها؟
أبرز التحديات تتمثل في ضعف التنسيق، والقيود المالية، والتحديات التقنية، وإدارة التنوع الوظيفي والثقافي، ويمكن تجاوز هذه العقبات من خلال أطر تنظيمية واضحة، وإدارة مالية مرنة، وبرامج تدريب مستمرة، وثقافة مؤسسية داعمة للتقييم والتطوير المستمر.
أخيرًا، ما مقترحاتكم لضمان استدامة التخصصات وبرامجها؟
الاستدامة تتحقق عبر التحديث الدوري للبرامج، وتنويع مصادر التمويل، وبناء شراكات مع الصناعة، وتطبيق نظم تقييم فعالة، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، بما يضمن بقاء الجامعة المتخصصة كيانًا حيًا متجددًا قادرًا على مواكبة التحولات المعرفية والاقتصادية.