رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"قناع الورع الزائف" يرتديه البعض ليختفي خلف مظهر التَّديُّن والتقوى، حقيقة هذا القناع مشوهة مِن الكبر والغلظة وحب للدنيا وتعطش للجاه والسلطة.

 

هؤلاء هم مَن حَذَّر منهم النبي صلى الله عليه وسلم حين وصف فئة من الناس بأنهم "يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم"، فمظهرهم العبادة، لكن جوهر الدِّين وروحه غائب تمامًا عن قلوبهم وسلوكياتهم، يحفظون الحروف ويضيعون المقاصد، ويتمسكون بالقشور ويتركون اللباب.


الورع الحقيقي، كما علمنا الإسلام، هو حالة قلبية تنعكس سكينةً ورحمةً وتواضعًا على الجوارح، إنه خشية في السِّرِّ قبل العَلَن، وإحسان إلى الخلق، ولين في التعامل، هو أن ترى أثر الإيمان في أخلاق المرء قبل عبادته، وفي أمانته قبل طول سجوده.

 

أَمَّا "الوَرَع الزائف" فهو مسرحية متقنة من الطقوس الجامدة تُستخدم كسلعة للمباهاة، أو سيفٍ لتجريح الآخرين والحكم عليهم، صاحبه تراه خبيرًا في كشف عيوب الناس، جاهلًا أو متجاهلًا لعيوب نفسه، سريعًا في إطلاق أحكام التحريم والتكفير، بطيئًا في تقديم الرحمة والعذر.

 

يتقن بحِرَفية "فقه التَّشدُّد" على الآخرين، بينما يمارس "فقه التساهل" مع نفسه وأهوائه، فيُحَلِّل لنفسه ما يُحرِّمه على غيره بذرائعَ واهية.

 

هذا القناع لا يخدع إلَّا صاحبه ومَن حوله لفترة وجيزة، فالله تعالى يقول: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}، فجوهر الدين في قلبٍ سليمٍ ولسانٍ عفيفٍ وخلقٍ قويم، جوهره أيضًا في المعاملة التي تعكس رحمة الإسلام، وفي الأمانة التي تحفظ الحقوق، وفي العدل حتى مع من نكره، امتثالًا لقوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}. 


"المتورِّع الزائف" ينهار عند أول اختبار حقيقي للأخلاق؛ في معاملة مالية، أو في خصومة، أو عند توزيع إرث، حيث يسقط القناع وتظهر حقيقة النفس التي لم يهذبها إيمان صادق.


إن أخطر ما في "الوَرَع الزائف" أنه يرتكب جريمتين في آن واحد: جريمة النفاق الشخصي، وجريمة الإساءة إلى الدِّين نفسه، فهو يُنفِّر الناس من التَّديُّن الحقيقي حين يرون هذا النموذج المُشوَّه، ويُقدِّم للعالم صورة بغيضة عن الإسلام، ويُحوِّل الدِّين من رسالة هداية إلى أداة سيطرة، ومن مصدر أمان إلى سبب للشقاق. 


هذا السلوك هو أحد أكبر معاول هدم صورة الإسلام في عصرنا، حيث يصبح سلوك هؤلاء "المُتورِّعين" حُجَّة في يد أعداء الدين.


لذا، فالمعيار الحقيقي ليس ما يظهر للناس، بل ما يُستودع في القلب ويُصدِّقه العمل في الخَلَوات قبل الجَلَوات، لقد جاء الإسلام ليُحرِّر الأرواح ويصقلها، لا ليصنع المزيد من الأقنعة التي تخفي خواءها ومرضها، والمسلم الفَطِن هو من يُميِّز بين التَّديُّن الحقيقي الذي يُثْمِر خُلُقًا وعملًا صالحًا، وبين التَّديُّن المظهري الذي لا يتجاوز كونه قناعًا جميلًا يخفي وجهًا قبيحًا. 


فليكن كل هَمِّنا تطهير الباطن قبل تزيين الظاهر، فالله لا ينظر إلى صورنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء