رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شاع في الخطاب السياسي والإعلامي قديمًا وحديثًا ادعاء محفوظ ومكرر ليس فيه ذرة من العقل، مفاده أن جمال عبد الناصر كان إخوانيا أو أنه بايع جماعة الإخوان في شبابه، وهو ادعاء يقوم في جوهره على خلط تاريخي واضح بين مفهوم البيعة التنظيمية وواقع التحالف السياسي المرحلي الذي سبق ثورة يوليو 1952.

فالبِيعة في فكر الإخوان ليست إجراءً عابرا، بل التزام عقدي وتنظيمي كامل يقوم على السمع والطاعة، والانضواء داخل البنية الهرمية للجماعة، وأهمها الانتظام في أسرة إخوانية، وشُعبة، وحي، ومنطقة، وحضور معسكرات وكتائب، وهي أنظمة يجب أن ينتظم فيها كل إخواني، وقد بدأ الإخوان هذا الشكل التنظيمي الهرمي الملزم أوائل الأربعينيات، وهو ما لا يوجد عليه دليل واحد موثق في حالة عبد الناصر، بل أن عبد الناصر نفسه أنكره مرتين، مرة في حوار صحفي مع صحيفة بريطانية ومرة في مؤتمر للاتحاد الاشتراكي في حلوان.

الواقع التاريخي يشير إلى أن ما جرى كان تحالفا جبهويا محدود الأهداف بين تنظيم الضباط الأحرار والتنظيم الخاص للإخوان وعدد من القوى الوطنية، هدفه مقاومة الاحتلال البريطاني وإسقاط النظام الملكي، دون أن يعني ذلك ذوبان أي طرف في الآخر أو خضوعه له. هذا النمط من التحالفات كان شائعًا في أربعينيات القرن الماضي في ظل العمل السري والظروف الاستثنائية التي عاشتها الحركة الوطنية.


ولكن الخلط بين التحالف والبيعة جرى توظيفه سياسيا من الإخوان إما لمصادرة شرعيتها بالقول إن قادتها خرجوا من عباءة الإخوان، أو لتشويه عبد الناصر باعتباره انقلب على جماعة كان ينتمي إليها، بينما الحقيقة أن الصدام الذي وقع لاحقا لم يكن خلافا إداريا داخل تنظيم واحد، بل مواجهة بين مشروعين متناقضين: مشروع الدولة الوطنية المركزية، ومشروع التنظيم العقائدي العابر للدولة.


إن مراجعة المسار الفكري والسياسي لعبد الناصر تكشف بوضوح أنه لم يكن جزءا من أي تنظيم ديني، ولم يؤمن بالحاكمية أو بدولة الجماعة، بل سعى إلى بناء مشروع قومي مستقل، وهو ما يجعل الادعاء بإخوانيته قراءة تبسيطية للتاريخ، يكررها البعض من باب الاستسهال دون بحث حقيقي، هذه فرية عجيبة لا تصمد أمام الفحص الجاد. فالتعاون السياسي المؤقت لا يُساوي البيعة، والتحالف المرحلي لا ينتج انتماء عقائديا، وبين الأمرين فارق جوهري لا يجوز القفز فوقه عند قراءة تاريخ مصر الحديث.


والزعم بأن عبد الناصر فتح حوارا في أواخر الستينات مع الاخوان هو كلام ساقط تاريخيا ، فعبد الناصر نفسه في هذه الفترة لم يفكر في إرسال أي مبعوث ليلتقي بقيادات الإخوان في السجون، ولم يُجرِ حوارا سياسيا معهم، ولم يسمح بإعادة التنظيم أو النشاط العلني، ولم يتراجع عن الأسس الفكرية التي حكمت الصدام منذ 1954. كل ما حدث أن بعض القنوات غير المباشرة – عبر أجهزة الدولة – تعاملت مع ملفات إنسانية وأمنية، وهو أمر مختلف جذريا عن فتح حوار سياسي.


والزعم بوجود “مبادرة ناصرية للحوار” جرى تضخيمه إخوانيا لاحقا لأسباب سياسية، منها:
تصوير الجماعة كقوة لا يمكن تجاوزها تاريخيا.
والإيحاء بأن عبد الناصر تراجع عن موقفه منها
أو إعادة تأويل قرارات الإفراج المحدودة باعتبارها مصالحة.
ولكن الاستسهال هي جريمة نقل التاريخ

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء