مع انعقاد الجلسات الأولى لمجلس النواب الجديد، يعود سؤال قديم متجدد ليطرق أبواب السياسة والمجتمع معًا: أي وطن نريد؟ وطن تُدار أزماته بـ «الكرتونة»، أم وطن تُصان فيه كرامة الإنسان عبر سياسات عادلة ومجال عام مفتوح؟.
في زمنٍ تتقاطع فيه الأحلام مع الضروريات، لم تعد «الكرتونة» مجرد صندوق من الورق المقوّى، بل تحوّلت إلى رمزٍ دالّ على خلل أعمق؛ نقص في الموارد لدى المواطن، ووفرة في المعاناة، ومحاولات مستمرة للتشبث بالحياة وسط واقع اقتصادي واجتماعي ضاغط. هنا، تصبح الحاجة عنوانًا يوميًا، وتغدو الكرامة على المحك.
الصراحة تقتضي القول إن الوطن بات في مواجهة مباشرة بين «الحاجة» و«الكرامة». ولعل ظاهرة «نائب الكرتونة» التي تطلّ بوجهها القبيح مع كل استحقاق انتخابي، تكشف حجم الأزمة، وتفرض علينا جميعًا البحث عن حلول جذرية لا عن مسكنات موسمية؛ فالدعم القائم على العوز لا يبني وعيًا سياسيًا، ولا يؤسس لحياة ديمقراطية سليمة، بل يعمّق الفجوة بين المواطن والدولة.
اليوم، تبدأ الحياة البرلمانية فصلًا تشريعيًا جديدًا في توقيت بالغ الحساسية؛ حيث تبحر سفينة الوطن وسط أمواج هائجة، تتقاذفها تحديات داخلية وضغوط خارجية، ما يفرض على البرلمان الجديد أن يكون مختلفًا في الأداء والدور، وأن يمارس وظيفته الدستورية الحقيقية في التشريع والرقابة، لا أن يكتفي بدور شكلي أو موسمي.
وفي تقديري، يجب أن تتصدر قوانين «المجال العام» أجندة المجلس قبل القوانين الاقتصادية والمعيشية، لا تقليلًا من أهمية الخبز، ولكن إيمانًا بأن السياسة السليمة هي المدخل الطبيعي لأي إصلاح اقتصادي حقيقي ومستدام.
إن مفتاح تدشين هذه القوانين موجود بالفعل في "درج" مجلس النواب، وينتظر فقط توافر الإرادة الحقيقية لتنطلق السفينة بأمان وسط ظرف إقليمي ودولي شديد الاضطراب.
فلا حماية للوطن إلا بترجمة الشعارات إلى واقع، وضربة البداية لتحسين صورة البرلمان هي سن القوانين الضرورية لفتح المجال العام، وعلى رأسها حرية تداول المعلومات للقضاء على سيل الشائعات، فمنح "الأوكسجين" للحياة الإعلامية والصحفية هو الضمانة الوحيدة، إذا لا صحافة حرة دون سقف من الحرية، والشفافية يجب أن تكون نهج المسؤولين حتى لا يضطر المواطن لمتابعة "قنوات الشر" التي تدس السم في العسل عبر نشر نصف الحقيقة مستغلة حالة "التوهان" والتعتيم.
مطلوب خروج قانون الإدارة المحلية والعدالة الانتقالية ومنع التمييز كأساس صلب لحياة سياسية صحي، مطلوب تعديل النظام الانتخابي، وإعادة النظر في نظام «القائمة المطلقة المغلقة» التي أثبتت التجربة أنها ليست على مقاس المشهد المصري، ولا تعبر بصدق عن إرادة الناس وتنوع المجتمع.
في ظني أن القضاء على ظاهرة "نائب الكرتونة" ومنع عودة "الجماعة إياها" للمشهد واختطاف الوطن لا يكون إلا بالإيمان بالاختلاف كحق للجميع، وأن حالة الوهن التي أصابت الأحزاب السياسية تتطلب حلولًا جذرية لا مصلحية، حتى لا تتحول الأحزاب إلى مجرد أرقام أو "نيش في صالون الوطن". فما نتيجة وجود أكثر من 100 حزب على الساحة؟ يجب النظر بصدق إلى التحالفات والاندماج، خاصة أن الأحزاب التقليدية (الوفد والتجمع والأحرار والعربي الناصري) تصارع الموت، ولم يشفع لها تاريخها الكبير في الانتخابات. على هذه الأحزاب التي تعد "رمانة ميزان الحياة السياسية" أن تنهض وتنفض غبار الصراعات وتخرج من أكفان "التحنيط"، وهذا لن يتم إلا بالنظر في قوانين مباشرة الحقوق السياسية وقوانين الأحزاب.
مطلوب من مجلس النواب أن يكون له "أنياب"، أن يُفعل أدواته الرقابية من استجوابات وطلبات إحاطة، وأن تُبث جلساته على الهواء. نريد نقدًا لأداء الحكومة وإقالات إن لزم الأمر، في مشهد منضبط يليق بحضارة الوطن، بعيدًا عن لغة "خناقات الحارات".
الواقع يفرض علينا الإقرار بأن المواطن البسيط يعيش معركة يومية مع الغلاء؛ ففي القرى لم تعد الزراعة كما كانت، واضطر الكثيرون لهجرات هشة بحثًا عن الرزق، ورغم قسوة المشهد، لا يزال الأمل قائمًا في برلمان يسمع قبل أن يشرّع، ويراقب قبل أن يصفق، ويضع كرامة الإنسان في الصدارة. إنها ليست قصة «كرتونة»، بل قصة وطن يقف اليوم على مفترق طرق، إما أن ينتصر للكرامة بإحياء السياسة، أو يظل أسير حلول مؤقتة تؤجل العدالة إلى أجل غير معلوم.