كتاب جديد يوضح جذور المشروع الصهيوني واستراتيجياته وخطورته على العرب
قدمت الباحثة الأردنية دكتورة سهيلا سليمان الشلبي دراسة تاريخية معمقة في كتابها الجديد "المشروع الصهيوني في البلاد العربية والوعي العربي لخطورته 1897–1917م"، الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون" في الأردن 2026.
الكتاب يرسم صورة شاملة للمشروع الصهيوني في مراحله التأسيسية، ويحلل جذوره الفكرية والسياسية والاجتماعية، بالإضافة إلى أدواته وأساليبه في استقطاب الجماعات المختلفة في العالم العربي، لا سيما يهود البلاد العربية، وكيف نجح في تحويل بعضهم إلى أدوات دعم لمشروعه، وترك أوطانهم الأصلية.
كما يستعرض الكتاب العلاقة المركبة بين الصهيونية واللاسامية، ويبين كيفية استغلال الصهيونية لخطاب العداء لليهود سياسياً وإعلامياً لتعزيز أهدافها، في حين بقي الوعي العربي واعياً بمخاطر المشروع على الأمن القومي العربي.
الفترة التأسيسية
تبدأ الدراسة بمؤتمر بال السويسري عام 1897، الذي شكل نقطة تحول تاريخية في مسار الصهيونية، إذ أسس المنظمة الصهيونية وحوّل المشروع من فكرة نظرية إلى خطة عملية منظمة.
وتتابع الباحثة الأحداث حتى عام 1917، تاريخ إصدار وعد بلفور الذي منح المشروع الصهيوني غطاء دولياً ودخوله مرحلة التنفيذ على الأرض.
يتيح هذا الإطار الزمني فهم السياق السياسي والاجتماعي الذي ساعد الصهيونية على وضع أولى خطواتها التوسعية، وما صاحبها من تحركات دقيقة لاستقطاب مختلف الفئات الاجتماعية، سواء اليهودية أو العربية، بهدف تحقيق أهدافها طويلة المدى.
الأطماع التوسعية
في الفصل الأول بعنوان "الأطماع التوسعية"، تؤكد الشلبي أن التوسع كان جزءاً أصيلاً من البرنامج الصهيوني منذ بداياته، وليس مجرد ظاهرة عارضة.
وتوضح أن الصهيونية سعت للهيمنة على فلسطين والدول المجاورة مثل سوريا والعراق ولبنان ومصر وشرقي الأردن، ضمن إطار فكرة "إسرائيل الكبرى"، كما بحثت عن مناطق بديلة أو مؤقتة لتعويض فلسطين، كما في مشاريعها في ليبيا، خاصة برقة والجبل الأخضر.
ويستعرض الفصل الوسائل المختلفة التي اعتمدتها الصهيونية لتحقيق هذه الأطماع، من خلال إنشاء جمعيات صهيونية، واستمالة الشخصيات المؤثرة، وإدارة حملات إعلامية ودعائية، بهدف إضعاف أي مقاومة عربية محتملة.
النشاط الصهيوني
يتناول الفصل الثاني بعنوان "النشاط الصهيوني" جهود الصهيونية لاستقطاب يهود العالم العربي مادياً ومعنوياً، وتحويل مواقفهم من التحفظ إلى دعم فاعل للمشروع.
كما يعرض محاولات التأثير على السكان العرب، وخاصة النخب المثقفة، لإقناعهم بأن المشروع الصهيوني لا يشكل تهديداً، في الوقت الذي ظل العرب واعين لهذه التحركات، وطوروا أساليب مواجهة متنوعة.
توضح الباحثة تفاوت نشاط الصهيونية بين الدول العربية، فبينما كان محدوداً ومتقطعاً في بلاد الشام والعراق، اتسم بالاتساع والفاعلية في مصر واليمن وشمال أفريقيا، مدعوماً بتنسيق مستمر مع المنظمة الصهيونية الأم، مع الإشارة إلى اصطدام هذا النشاط أحياناً بسياسات الاستعمار الفرنسي الذي سعى لدمج اليهود في المجتمع والثقافة الفرنسية ضمن مستعمراته.
العلاقة المعقدة
في الفصل الثالث بعنوان "العلاقة المعقدة"، تشرح الباحثة كيف وظفت الصهيونية خطاب العداء لليهود لتحقيق أهدافها السياسية، ومواجهة أي معارضة عربية، بينما كان العرب قادرين على التمييز بين اليهودية كمعتقد وبين الصهيونية كحركة سياسية تهدد مصالحهم.
ويؤكد الفصل أن موقف العرب الرافض للصهيونية كان موقفاً سياسياً وفكرياً، وليس موقفاً ضد اليهود أو الدين اليهودي، مما يعكس وعيهم المبكر بتمييز السياسة عن الدين.
المشروع الصهيوني
تخلص الدراسة إلى أن المشروع الصهيوني لم يكن تهديداً محصوراً في فلسطين، بل امتد ليشمل المشرق والمغرب العربي على حد سواء، من خلال أطماعه التوسعية المتعددة.
وتبرز النتائج تفاوت نشاط الصهيونية بين الدول العربية، حيث كان محدوداً في بلاد الشام والعراق، وواسعاً وفعالاً في مصر واليمن وشمال أفريقيا، مدعوماً بتنسيق بين الجمعيات الصهيونية والمنظمة الأم. ويؤكد الكتاب أن فلسطين كانت مجرد نقطة انطلاق لمشروع أوسع يشمل مصر وسوريا ولبنان والعراق وشبه الجزيرة العربية وليبيا.
يمثل الكتاب إضافة بحثية مهمة للمكتبة العربية، ويوفر قراءة نقدية عميقة لمرحلة مفصلية من تاريخ الصراع العربي الصهيوني، ويطرح أسئلة جوهرية حول الوعي العربي والحفاظ على الهوية الوطنية في مواجهة المشاريع الخارجية.
