رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ذكرى توليه «المعارف».. طه حسين ومجانية التعليم نقطة تحول في تاريخ مصر

طه حسين
طه حسين

في مثل هذا اليوم، 12 يناير من عام 1950، تولى عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين منصب وزير المعارف في حكومة الزعيم مصطفى النحاس باشا، ليبدأ واحدًا من أهم الفصول في تاريخ التعليم المصري الحديث، فصل ارتبط بفكرة التنوير والعدالة الاجتماعية، وجعل من التعليم حقًا أصيلًا لكل أبناء الشعب، وليس امتيازًا مقصورًا على القادرين.

اختيار مثقف تنويري في لحظة فارقة

جاء تعيين طه حسين وزيرًا للمعارف في توقيت بالغ الحساسية، حيث كانت مصر تبحث عن طريق للخروج من أزماتها الاجتماعية والاقتصادية، وكان التعليم في صدارة الملفات المطروحة، ولم يكن اختيار عميد الأدب العربي مصادفة، بل تعبيرًا عن إيمان الحكومة بدور الفكر والثقافة في بناء الدولة الحديثة، خاصة أن طه حسين عُرف منذ سنوات بدفاعه المستميت عن حق الفقراء في التعليم.

الإعلان الرسمي لمجانية التعليم

بعد أربعة أيام فقط من توليه المنصب، ألقى مصطفى النحاس باشا خطاب العرش أمام مجلس النواب في 16 يناير 1950، متضمنًا فقرة محورية عن التعليم صاغها طه حسين بنفسه، أكد فيها أن أفضل السبل لرفع مستوى الشعب وتحقيق حياة منتجة كريمة هو تعليم الأبناء، وتزكية العقول، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص من خلال مجانية التعليم في جميع مراحله.

فتح أبواب المدارس للفقراء

لم يتوقف الأمر عند حدود الخطاب، بل سرعان ما تحولت الكلمات إلى قرارات تنفيذية بإعلان مجانية التعليم الابتدائي والثانوي والفني، وهو ما مثّل تحولًا جذريًا في سياسة الدولة التعليمية، وأعاد رسم خريطة المجتمع، بعدما أصبح التعليم متاحًا لأبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة، دون أن يشكّل العبء المادي عائقًا أمام استمرارهم في الدراسة.

فرحة شعبية في الشارع والمقاهي

تزامن إذاعة خطاب العرش مع مشاهد فرح واضحة في الشارع المصري، خاصة في الأحياء الشعبية بالقاهرة، مثل حي السيدة زينب، حيث تحولت المقاهي إلى منصات تأييد للقرار.

وروى أحد العمال كيف اضطر في طفولته إلى ترك المدرسة بسبب عدم سداد المصروفات، مؤكدًا أن القرار أنقذ أبناءه من المصير ذاته، وأعاد الاعتبار لحلم التعليم المؤجل لدى آلاف الأسر البسيطة.

موقف واضح من التعليم الحر

في وزارة المعارف، توافدت الوفود لتهنئة طه حسين بتوليه المنصب، وكان من أبرزها ممثلو الاتحاد العام للتعليم الحر، الذين تلقوا تأكيدات حاسمة من الوزير الجديد بأن التعليم الحر لا يقل أهمية عن التعليم الحكومي، وأن الدولة ملتزمة بالمساواة بينهما من حيث الرسالة والدور، باعتبار أن الهدف الأساسي هو خدمة أبناء الوطن دون تفرقة.

خطة لتطوير المدارس

وبدأ طه حسين على الفور في اتخاذ خطوات عملية، حيث وجّه بإعداد مذكرة شاملة عن أوضاع مدارس التعليم الحر في جميع أنحاء البلاد، لرصد احتياجاتها والعمل على رفع مستواها، كما أصدر تعليماته بوضع تصور لإنشاء نقابة للمعلمين، دعمًا لهم وتحسينًا لأوضاعهم المهنية والمعيشية، مؤكدًا أن إصلاح التعليم لا يتحقق إلا بإصلاح حال المعلم، وأن “أساس التعليم الصالح هو الأستاذ الصالح”.

إرث تعليمي ما زال حاضرًا

لم يكن تولي طه حسين وزارة المعارف مجرد حدث سياسي عابر، بل بداية مشروع إصلاحي ترك بصمته العميقة على المجتمع المصري، ورسخ مبدأ العدالة التعليمية كأحد أعمدة الدولة الحديثة، وبعد مرور أكثر من سبعة عقود، ما زالت تجربة طه حسين في وزارة المعارف تُستدعى كلما دار الحديث عن مجانية التعليم وتكافؤ الفرص، بوصفها واحدة من أهم لحظات التنوير في التاريخ المصري الحديث.
 الحديث.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء