منذ قرابة العام والنصف، وأنا لا أميل إلى كتابة أو نشر المقالات، ليكون تركيزي على صناعة محتوى اقتصادي أقوم بنشره على صفحاتي الخاصة، جنباً إلى جنب مع إعداد عدد من الكتب الاقتصادية المبسطة التي قد تهم فئات مختلفة، لأعاود الاهتمام مرة أخرى بنشر المقالات التوعوية بعد أن قطعت شوطاً فيما استهدفت خلال الفترة الماضية.
أثناء هذا الاعتكاف الاختياري الذي استهدفته، دائماً ما كان ينصحني أبي بأن لا أترك مهارة كتابة المقالات، وكان يبرر ذلك بأنها مهارة يمكن أن تسلب مني إذا أهملتها، ولم أداوم على تغذيتها المستمرة بالكتابة المنتظمة، وكنت أتأمل كلام أبي، لأفكر فيه، هل يمكن أن تتضاءل مهارة كتابة المقالات من شخص يمكن أن يقال عنه أنه موهوب في تلك المهارة، لأجرب الامر بنفسي حينما اتخذت قرار العودة إلى الكتابة مجدداً.
فقد صدق أبي في نصيحته، نعم مهارة الكتابة قد تصدأ إذا أهملت الحفاظ على استمراريتها، فالكاتب حينما يحافظ على سرد أفكاره من خلال المقالات المنتظمة يكون في حالة تناغم مع الاحداث الجارية وربما يسبقها بأفكاره في بعض الحالات، وهي الحالات التي قد يصل فيها إلى مرحلة فهم المشهد كاملاً، ليتمكن من قراءة الأحداث المستقبلية، ليصبح مثل كاتب السيناريو المحترف.
فإذا ترك الكاتب مهارة الكتابة لفترة قد يصبح غير مهتم بما يدور حوله من بعض الأحداث، ليكون قرار العودة إلى الكتابة هو بمثابة محاولة سريعة لتجميع كافة الأحداث التي لم يغطيها قلمه، كي يصل إلى مرحلة مواكبة الأحداث الجارية في كتاباته، وهو ما مررت به حرفياً، فماذا أكتب وماذا أتناول من قضايا؟
فقد تنبأ قلمي مسبقاً بعودة الرئيس الأمريكي ترامب إلى قيادة الاقتصاد العالمي قبل أن يعلنها هو نفسه، ولكن قلمي لم يتناول عودته الفعلية، وأثر عودته على حركة التجارة، وما أثاره من جدل حينما رفع حد التعريفة الجمركية على الواردات إلى الأسواق الأمريكية، وتأثير ذلك على حركة التجارة العالمية وتوجهات تحرير التجارة ومستقبل الاتفاقيات التجارية العالمية في عهده.
كما تناول قلمي الموجات التضخمية التي شهدها العالم، وأثرها على ارتفاع معدلات الفائدة، وانحسار التوجهات الاستثمارية إلا إنني لم أتناول التراجع التدريجي لمعدلات التضخم، والتوجهات الأمريكية لخفض الفائدة، والخلاف الواضح ما بين الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس الفيدرالي الأمريكي حول استهداف خفض الفائدة، وأثر ذلك على الاقتصاد العالمي وتوجهات السياسات النقدية عالمياً.
وتناول قلمي ضربة إيران لأحد منافذ البترول السعودية، وأثرها على أسعار الطاقة، إلا إنني لم أغطي الضربة الإسرائيلية لمعاقل البترول الإيراني، وأثرها على إنتاج البترول عالمياً واتجاهات أسعار البترول.
كما تناولت بالتحليل في عدد من المقالات الثورة التكنولوجية في العملات الرقمية، إلا إنني لم أتطرق إلى ثورة الروبوتات المرتقبة والذكاء الاصطناعي، والصراع الدائر ما بين الصين والولايات المتحدة الامريكية في هذا النطاق، وأثر ذلك على مستقبل الصناعة والاقتصاد العالمي.
كما لم أغطي بقلمي الاعتداءات الإسرائيلية على قطر، وأثر ذلك على أمن الخليج، ومستقبل الطاقة عالمياً، وكذلك الاضطرابات التي أصابت البحر الأحمر، وأثر ذلك على التجارة العالمية والمرور في قناة السويس، وكيف أن تلك الاضطرابات أصابت الدولار الأمريكي لتخفض قيمته عام 2025، وهو ما حاول الرئيس الأمريكي أن يتجاوزه بزيادة جذب الاستثمارات على الأراضي الأمريكية.
ليصاب قلمي بالتهنيجة المؤقتة من كثرة الموضوعات التي لم أغطيها، فقد تجاوزت الكثير من الأحداث دون أن أحللها كتابةً، مكتفيةً بطرح عدد من الكتب والتعليق والشرح الشفهي من خلال الفيديوهات الاقتصادية والاجتماعية المتنوعة والتي قد تشكل مكتبة مبسطة على صفحاتي الشخصية الإلكترونية، وهو ما نجحت في إنجازه فترة انقطاعي عن كتابة المقالات، ليأتي قرار العودة من جديد، ولكن تلك العودة تكون على مسارين هما "الكتابي والشفهي"، متمسكة بمهارتي الكتابية التي حاولت أن تهرب، ومحافظةً على مهارتي الجديدة التي بنيتها وهي التحليل الشفهي، لأؤمن فعلياً بنصيحة أبي، وأعاهد نفسي على الاستمرارية قدر المستطاع كي لا تهرب مني أي من المكتسبات، وكي لا يصبح استعادتها أمراً ثقيلاً.