وجوه لا تغيب.. حكايات نجوم وقامات رحلوا في زمن "كورونا"
مع إشراقة كل عام جديد، نفتح سجل الذكريات، لا لنحصي السنين، بل لنستحضر وجوها كانت تملأ دنيانا صخبا جميلا وعطاء لا ينضب.
تمر الأعوام على رحيل نجوم وشخصيات صاغت وجداننا، فنيا وسياسيا وإعلاميا، غيبهم "العدو الخفي" الذي اقتحم العالم بلا استئذان.
رحل أولئك الذين اعتادوا دخول قلوبنا قبل بيوتنا، بضحكة صادقة، أو معلومة موثوقة، أو موقف وطني جسور، رحلوا بجسدهم وبقوا في تفاصيل حياتنا أثراً لا يمحوه الزمن.
في الخامس من يناير قبل 5 سنوات كان الرحيل المفاجئ للمناضل القومي سيد عبد الغني، رئيس الحزب العربي الديمقراطي الناصري وأمين صندوق نقابة المحامين، وفي التاسع من يناير، قبل أربعة سنوات ودعنا زميلا صحفيا وإعلاميا كبيرا هو وائل الإبراشي، الذي ظل لسنوات صوت الشارع وضميره الحي، كما رحل عن عالمنا نجوم لطالما كانوا سببا في رسم الابتسامة على وجوهنا، من القديرة رجاء الجداوي، للكبير سمير غانم، ومن أبطال جيشنا الأبيض لرموز دينية وقامات قانوينة كبيرة.

كانت تلك لحظات صادمة وجرس إنذار أدركنا معه أننا نفقد، يوما بعد يوم، جزءا من نسيجنا الإنساني والثقافي، فمن رحلوا غابوا بأجسادهم، لكنهم بقوا في الذاكرة، وفي القلوب، فأثرهم لن يزول.
جائحة “كورونا” لم تكن مجرد أزمة صحية عابرة في تاريخ مصر والعالم، بل كانت اختباراً قاسياً للجميع، كانت اختباراً حقيقيا لقدرة البشر على التعامل مع خطر غير مرئي.
سجلت الأرقام الرسمية وفاة حوالي 25 ألف مصري تأثرا بالجائحة، ورقم 100 ألف وفاة في الإحصاءات غير الرسمية، خلف تلك الأرقام والإحصاءات، رحلت أسماء مهمة تركت فراغاً إنسانياً ومهنياً لا يُملأ، وأثّرت في الوجدان الجمعي للمصريين على اختلاف مواقعهم.
فقدنا عدداً من رموزها في مجالات مختلفة في لحظة بدا فيها الموت قريباً من الجميع، بلا تفرقة بين طبيب في الصفوف الأولى، أو فنان على خشبة المسرح، أو مسؤول يؤدي واجبه الوطني.
"الجيش الأبيض" شهداء الواجب
كان القطاع الطبي في قلب المعركة، أطباء وممرضون ومسعفون، وفنيون، وقفوا في الخطوط الأمامية بلا تردد، في وقت كانت فيه المعرفة بالفيروس محدودة، والإمكانات تحت ضغط هائل.
وأعلنت نقابة الأطباء أن عدد الوفيات بين أعضائها تجاوز 600 طبيب حتى أواخر عام 2021، وهو رقم يعكس حجم التضحية التي قدمها أطباء مصر دفاعاً عن حياة الملايين.
من بين هؤلاء: د. وليد يحيى أحد أوائل الأطباء الذين هز رحيلهم الرأي العام في بدايات الأزمة، وأصبح رمزاً مبكراً في مواجهة كورونا، ولحق به د. جلال غضنفر، الذي نعته نقابة الأطباء باعتباره نموذجاً للطبيب الملتزم بواجبه حتى اللحظة الأخيرة، كما نعت د. طارق الجوهري، استشاري العناية المركزة، الذي لُقّب بـ "شهيد الواجب" بعد رحيله وهو يعالج المصابين.
وفي ذروة الموجة الأولي من الفيرس رحل د. هشام الساكت، وكيل كلية طب قصر العيني لشؤون خدمة المجتمع، كما رحل د. محمود الهنداوي، أستاذ جراحة المخ والأعصاب بجامعة الأزهر، أحد العقول العلمية التي خسرتها مصر في صمت.
رحيل هؤلاء لم يكن مجرد خسارة لأفراد، بل نزيف خبرات تراكمت عبر عقود، وشكلت عماد النظام الصحي المصري.
الفن والدراما دفعوا الثمن غاليا
لم يكن الوسط الفني بمنأى عن الوجع فقد حزن المصريون على رحيل نجوم ارتبطوا بذكريات البيوت المصرية على امتداد أجيال .
البداية كانت برحيل الفنانة القديرة رجاء الجداوي في يوليو 2020 و كانت من أول حالات الوفيات المؤثرة بين المشاهير فقد رحلت بعد صراع طويل داخل العزل الصحي وحزن عليها المصريون حزنا شديداً، ثم لحق بها الفنان الكبير سمير غانم وزوجته الفنانة دلال عبد العزيزفي عام 2021 برحيل متتابع لهما هزّ القلوب بعد ان جمعت بينهما قصة حب إنسانية انتهت بفراق قاسٍ، جسّد مأساة الجائحة بأبعادها النفسية والعائلية.

كما رحل الفنان الكبير هادي الجيار أحد أبطال مدرسة المشاغبين، وغيبه الفيروس في مطلع 2021، ولحق به الفنان الكبير يوسف شعبان أحد أعمدة الدراما المصرية.
ولحق بهم أيضا الفنانون أحمد خليل و أحمد حلاوة و فايق عزب و نادية العراقية و سوسن ربيع وهم أسماء كبيره في الوسط الفني أُضيفت إلى قائمة الغياب الحزين.
من الوسط الغنائي رحل الموسيقار الكبير د. جمال سلامة، في مايو 2021 وهو أبرز صُنّاع الموسيقى المصرية الحديثة وملحن للموسيقى التصويرية لمجموعة كبيرة من أهم الأفلام والمسلسلات المصرية منها “حبيبي دائما وأفواه وأرانب”، ولحق به الفنان متعدد المواهب سمير صبري مايو 2022 رغم معاناته الصحية السابقة، إلا أن فترة الجائحة وتداعياتها أثقلت حالته العامة.

كما كان خسارة المجتمع الصحفي والإعلامي قاسية برحيل الكاتب الصحفي وائل الإبراشي في 9 يناير 2022 بعدما ظل يعاني قرابة عام كامل من تداعيات الإصابة، قبل أن تودي به مضاعفات تليف الرئة، فتح ملفاً واسعاً حول آثار ما بعد كورونا الصحية.
كما رحل كلا من اللواء خالد شلتوت، و اللواء شافع داوود، وهما من قيادات القوات المسلحة، و توفيا في مارس 2020 أثناء مشاركتهما في جهود الدولة لمواجهة انتشار الفيروس، في وقت كانت فيه الأزمة تتطلب انضباطاً وتنظيماً عسكرياً دقيقاً.
الجائحة لم تستثن رموز العمل العام وكانت البداية برحيل محزن للحقوقي حافظ أبو سعدة رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وعضو المجلس القومي لحقوق الإنسان في نوفمبر 2020 عن عمر ناهز 55 عاماً، بعد مسيرة طويلة في الدفاع عن الوطن والحقوق والحريات.
و في 5 يناير 2021 لحق به القيادي الناصري سيد عبد الغني، رئيس الحزب العربي الديمقراطي الناصري، أمين صندوق نقابة المحامين، الذي توفي بعد أيام من رحيل شقيقه أشرف عبد الغني، في مشهد إنساني مؤلم هز أركان أسرتهما المعروفة بقيادات العمل الحزبي والنقابي والإعلامي فشقيقهما الأكبر هو الإعلامي الكبير حسين عبد الغني، مدير مكتب قناة الجزيرة في مصر سابقا، وشقيق الدكتور مهندس محمد عبد الغني النائب البرلماني السابق و الاستشاري الهندسي الشهير، وشكل رحيل سيد عبد الغني صدمة كبيرة في الأوساط السياسية والحقوقية.
وفي مارس من عام 2022 رحل نقيب المحامين رجائي عطية الذي توفي أثناء أداء عمله، بعد فترة تزامنت مع فقدان النقابة لعدد كبير من شيوخ المهنة خلال الأزمة رغم أنه لم يتأكد من سبب رحيله الذي قد يكون بعيداً عن الفيروس اللعين.
كما رحل المستشار أحمد البكري، رئيس اللجنة المكلفة بإدارة نادي الزمالك، والذي رحل متأثرا لفيروس كورونا بعد فترة قصيرة من توليه إدارة النادي.
وكان رحيل الداعية الإسلامية الكبيرة الدكتورة عبلة الكحلاوي في يناير 2021 التي كانت تحظى بمحبة واسعة، عن عمر ناهز الـ72 عاماً بعد فترة مرض ليست كبيرة.
ورحل الشيخ محمود خليل، إمام المسجد النبوي سابقاً، وهو من أصول مصرية، توفي متأثراً بتداعيات المرض.
رحيل هؤلاء لم يكن مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل قصص حياة توقفت فجأة، أطباء ماتوا وهم ينقذون الآخرين، وفنانون أسعدوا الملايين ثم رحلوا في صمت، ومسؤولون أدوا واجبهم حتى اللحظة الأخيرة.
لذا ستبقى جائحة كورونا واحدة من أكثر الفترات قسوة في التاريخ المعاصر لمصر، رحم الله من رحلوا.. وبقيت ذكراهم خالدة.