بعد 77 عامًا.. سر "اللون المسموم" يغيّر فهم لوحة جاكسون بولوك الشهيرة
بعد مرور عقود طويلة، يخرج إلى النور سر "اللون المسموم" الذي استخدمه الفنان الأمريكي جاكسون بولوك في واحدة من أشهر لوحاته، كاشفًا عن طبقات خفية من التاريخ الفني والمعرفي.
لوحة "الرقم 1 أ، 1948" التي تعد من أبرز أعمال بولوك، تميّزت بلمسة الأزرق النابض بالحياة. لكن المفاجأة جاءت بعد 77 عامًا من إنشائها، حين أكد فريق علمي دولي أن هذا اللون ما هو إلا صبغة "أزرق المنغنيز" الاصطناعية، والتي تم وقف إنتاجها في التسعينيات بسبب سميتها العالية ومخاطرها البيئية.
اللون المسموم لم يكن مجرد اختيار جمالي، بل أصبح علامة فارقة في تاريخ الفن الحديث.
فريق علمي يحل اللغز
البحث أجري بواسطة علماء من متحف الفن الحديث (MoMA) في نيويورك، وجامعة ستانفورد، وجامعة مدينة نيويورك. الفريق أخذ عينات مجهرية من الطلاء الأزرق، وباستخدام تقنية تعتمد على تشتيت الضوء بالليزر وقياس اهتزازات الجزيئات، حصلوا على "بصمة كيميائية" دقيقة.
النتائج التي نُشرت في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences أكدت تطابق التركيب الكيميائي مع صبغة أزرق المنغنيز، ما جعل اللون المسموم حقيقة مثبتة علميًا.
تاريخ "اللون المسموم"
بدأ استخدام صبغة أزرق المنغنيز في الثلاثينيات، ولم تقتصر على اللوحات الفنية فقط، بل استُخدمت أيضًا في تلوين أسمنت حمامات السباحة. لكن المخاوف الصحية دفعت إلى حظرها، إذ أشارت موسوعة CAMEO إلى أن استنشاقها أو ابتلاعها قد يسبب اضطرابات عصبية.
المفارقة أن بولوك، الذي كان يعاني من إدمان الكحول معظم حياته، لم يكن يدرك على الأرجح خطورة هذا اللون المسموم وقت استخدامه.
أهمية الاكتشاف الفني
الكشف لم يكن مجرد فضول علمي، بل أتاح للمختصين "سياقًا حاسمًا للحفاظ على أعمال بولوك". معرفة التركيب الكيميائي الدقيق للألوان يساعد خبراء الترميم على منع تلف اللوحات وحمايتها للأجيال القادمة.

لوحة "الرقم 1 أ، 1948" تعرض اليوم في متحف MoMA بنيويورك، ويبلغ عرضها 2.7 متر. وهي تمثل أسلوب بولوك المعروف بـ"الرسم الحركي"، حيث يرش الألوان ويقطرها على القماش الموضوع على الأرضية بدل الحامل التقليدي. حتى في لمسته الأخيرة، ترك بصمته بيده على زاوية اللوحة كنوع من التوقيع الخاص.
رؤية بولوك للأرقام والفن
خلال تلك الفترة، توقف بولوك عن تسمية لوحاته، واكتفى بترقيمها، معتبرًا أن الأرقام "محايدة" وتجعل الجمهور يواجه العمل مباشرة دون توقعات مسبقة. زوجته الفنانة لي كراسنر أكدت أن هذا النهج يساعد الناس على النظر إلى اللوحة كفن خالص.
ويظل اللون المسموم في هذه اللوحة مثالًا على التفرد، إذ يصعب حتى اليوم محاكاته بمزج الألوان المتاحة حاليًا.

