مصر والاتحاد الأوروبي.. شريحة الدعم المالي تعزز الاستقرار
مع مطلع عام 2026، باتت العلاقة بين مصر والاتحاد الأوروبي تتجاوز الدعم المالي التقليدي لتصبح أداة استراتيجية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والسياسي، بحسب خبراء اقتصاديين.
ويأتي ذلك في سياق صرف الشريحة الثانية من حزمة الدعم الأوروبي البالغة 7.4 مليار يورو، التي تعكس إدراكًا أوروبيًا واضحًا لأهمية استقرار الدولة المصرية كركيزة أساسية في سياسات الاتحاد الأوروبي تجاه الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط.
الدعم الأوروبي: شريحة ميسرة وليست منحة
صرح محمد محمود عبد الرحيم، الباحث الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، بأن الشريحة الأوروبية ليست مجرد منحة، بل قرض ميسّر يهدف إلى دعم الموازنة العامة وتعزيز استقرار الاقتصاد الكلي.
وأشار عبد الرحيم فى تصريح خاص ل"إيجبتك" إلى أن توقيت الصرف يحمل دلالات مهمة، سواء في دعم عجز الموازنة أو إرسال رسالة ثقة للأسواق بشأن متانة الاقتصاد المصري، بما ينعكس إيجابًا على سعر الصرف ونمو الاحتياطي النقدي الأجنبي الذي بلغ مستويات قياسية تقارب 51.4 مليار دولار.
وتتضمن الحزمة الأوروبية الإجمالية التي تمتد بين 2024 و2027:
- 5 مليارات يورو قروض ميسرة.
- 1.8 مليار يورو استثمارات وتشجيع القطاع الخاص.
- حوالي 600 مليون يورو منح ودعم فني، لدعم الموازنة، تطوير البنية التحتية، وتعزيز المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وأضاف عبد الرحيم أن الاتحاد الأوروبي يتفهم وجهة النظر المصرية في القضايا الإقليمية المعقدة، مثل قطاع غزة وملف سد النهضة الإثيوبي، مشيرًا إلى أن العلاقات الاقتصادية بين الجانبين تعكس هذا التقارب، حيث يمثل الاتحاد الأوروبي نحو 22% من التجارة الخارجية لمصر، ويعد الشريك التجاري الأكبر، بينما بلغت الاستثمارات الأوروبية في مصر 40.8 مليار يورو خلال 2023.
تحويل التمويل إلى أداة حوكمة
من جانبه، أوضح محمود حجازى ، الخبير الاقتصادي، أن الشريحة الثانية لم تعد مجرد تدفق مالي لسد فجوة تمويلية مؤقتة، بل تحولت إلى أداة حوكمة استراتيجية تحدد معالم العلاقة الاقتصادية بين القاهرة وبروكسل.
وقال حجازى إن صرف الشريحة مرتبط بتنفيذ إصلاحات هيكلية حقيقية، أبرزها:
- تعميق دور القطاع الخاص عبر تطبيق وثيقة سياسة ملكية الدولة.
- إصلاح منظومة الدعم وضبط الإنفاق العام لضمان استدامة الموازنة.
- مواءمة الصناعة المصرية مع معايير الكربون الأوروبية لدعم الاستثمار الأخضر والتنافسية العالمية.
وأشار إلى أن مصر نجحت بالفعل في تنفيذ حزمة من التشريعات الداعمة للاستثمار الأخضر ورقمنة النظم الجمركية، ما مهد لإصدار تقرير المراجعة الأوروبية الإيجابي وصرف الشريحة.
التمويل طويل الأجل ودوره في حماية الاقتصاد
وحول طبيعة التمويل، أكد جميل أن الشريحة ليست منحة، بل قرض ميسّر طويل الأجل، بآجال سداد تصل إلى 20 عامًا وأسعار فائدة رمزية، موضحًا انه رغم ارتفاع الدين الخارجي رقمياً، إلا أن هذا التمويل يحسّن جودة الدين العام ويتيح استخدام الأموال لدعم الموازنة العامة وحماية الاحتياطي النقدي من الاستنزاف المباشر، ما يعزز الاستقرار النقدي ويضمن السيولة لسداد الالتزامات الدولية.
كما أشار إلى أن الدعم الأوروبي يشكل ظهيرًا استراتيجيًا للاقتصاد المصري، إلى جانب برنامج صندوق النقد الدولي، إذ بينما يركز الصندوق على الجراحة النقدية، يركز الاتحاد الأوروبي على التشابك الاقتصادي، مما يمنح مصر مرونة أكبر ويقلل من تكلفة الاقتراض في الأسواق الدولية المتقلبة.
أثر الشريحة على المعيشة والأسواق
وأوضح حجازى أن الشريحة الأوروبية ستساهم في استقرار سعر الصرف والتضخم خلال 2026، عبر الحد من المضاربات في السوق الموازية وضمان تدفق السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج بانتظام، مضيفًا أن التحسن في مستوى معيشة المواطن سيكون هيكليًا، وليس لحظيًا، فالمواطن سيشعر أولاً بتوقف القفزات السعرية واستقرار سوق العمل، ما يمهد لنمو حقيقي في القدرة الشرائية بحلول نهاية العام.
كما شدد على أن نجاح الشريحة يعتمد على قدرة مصر على تحويل هذا الدعم المؤقت إلى قوة إنتاجية حقيقية حيث أن الأمان المالي الذي توفره هذه الأموال يمثل فرصة زمنية لتعميق التصنيع المحلي وضمان أن يكون التحسن اقتصادياً مستداماً، وليس مجرد تأثير مؤقت للسيولة الطارئة."
الاستثمار في البحث العلمي والطاقة النظيفة
وأفاد عبد الرحيم بأن مصر انضمت إلى البرنامج الإطاري الأوروبي للبحث والابتكار 2021–2027، بميزانية 95.5 مليار يورو، لدعم مجالات مثل التغير المناخي والطاقة النظيفة والصحة والأمن الغذائي والمدن الذكية والنقل المستدام، ما يتيح توظيف هذه الموارد لمواجهة تحديات قومية واقتصادية.
كما أشار إلى أن الاتحاد الأوروبي أعلن عن قمة مرتقبة في القاهرة عام 2027، لتعميق التعاون الاستراتيجي وتعزيز الشراكة الاقتصادية والسياسية بما يخدم المصالح المشتركة للطرفين.