مع تعثر الجهود السياسية في إيجاد حل دائم للقضية الفلسطينية، يعود الحديث مجددًا عن مبادرات دولية تهدف لإدارة الوضع في قطاع غزة، لا سيّما مع طرح اسم نيكولاي ملادينوف كمرشح محتمل لرئاسة مجلس السلام المزمع إنشاؤه للإشراف على المرحلة الانتقالية في القطاع، خاصة مع تعقد ملف إعادة الإعمار، وغياب الكيان الفلسطيني، وتصاعد الأزمات الإنسانية.
يأتي ترشيح ملادينوف بعد سنوات من إخفاق محاولات مشابهة، أبرزها تجربة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير الذي قاد اللجنة الرباعية الدولية دون تحقيق اختراق يُذكر، بل وزاد من الشكوك حول جدوى هذا النوع من المبادرات التي يُنظر إليها فلسطينيًا كمجرد أدوات لتجميل الواقع، لا لتغييره.
لكن السؤال المحوري اليوم: هل يمتلك ملادينوف أوراقًا جديدة تؤهله للنجاح حيث فشل الآخرون؟ أم أن مشروع مجلس السلام ليس إلا نسخة محدثة من مشاريع إدارية تُدار تحت سقف الاشتراطات الإسرائيلية الصارمة؟
نيكولاي ملادينوف ليس غريبًا عن المنطقة، فقد عمل مبعوثًا للأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط (2015-2020)، وسبق له أن تعامل مباشرة مع السلطة الفلسطينية والفصائل الفلسطينية وإسرائيل، في ظل توترات متكررة بين غزة وتل أبيب. وامتاز أسلوبه بالهدوء والدبلوماسية المرنة، وتمكن في أكثر من مرة من لعب دور الوسيط لمنع تفجر الأوضاع.
بعكس بلير الذي اعتُبر ممثلًا للسياسات الغربية التقليدية ومتورطًا في حرب العراق، فإن ملادينوف قادم من خلفية أممية غير منحازة، وهذا يمنحه قدرة أكبر على التحرك بين الأطراف.
كما يُحسب له أنه لم يرتبط بأي تصريحات تُمجّد الاحتلال أو تقلّل من عدالة القضية الفلسطينية، مما يخلق حالة من الحذر الإيجابي تجاهه في أوساط الرأي العام الفلسطيني.
طرح اسم ملادينوف في هذا التوقيت ليس اعتباطيًا. هناك تحركات إقليمية ودولية مكثفة تقودها مصر والولايات المتحدة وعدد من الدول العربية، تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار في غزة والانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار مقابل تهدئة، لكن بشروط معقدة، أبرزها: نزع سلاح المقاومة، ضمان الأمن لإسرائيل، إدخال السلطة الفلسطينية كشريك إداري أساسي، ووجود رقابة دولية على المعابر والتمويل.
وسط هذا المشهد يُطرح مجلس السلام كإطار إداري مؤقت لضبط المشهد في غزة، وتوفير غطاء دولي لأي عملية انتقالية، تكون خاضعة للإشراف الإقليمي والدولي. وتعيين شخصية مثل ملادينوف في رئاسة هذا المجلس قد يحقق توازنًا بين رفض حماس للسلطة وحدها، ورفض إسرائيل لحماس كسلطة أمر واقع.
رغم كفاءة ملادينوف وخبرته، إلا أن التحديات التي يواجهها جوهرية وتشمل عدم وضوح صيغة تسليم المقاومة الفلسطينية سلاحها.وتمسك إسرائيل بسياسة الربط بين الإعمار ونزع السلاح، وهذا ما يُفرغ أي مبادرة من مضمونها الإنساني ويدخلها في دائرة الاشتراطات الأمنية الصارمة، بالإضافة لعدم ثقة الشارع الفلسطيني بالمجتمع الدولي بعد عقود من الانحياز الغربي لإسرائيل، وغياب إجراءات فاعلة ضد الاستيطان والحصار.
ففي حال مُنح ملادينوف تفويضًا فعليًا لا شكليًا، فإن بإمكانه الدفع باتجاه خطوات عملية من خلال تسهيل دخول المساعدات وإعادة بناء البنية التحتية في غزة.والضغط على إسرائيل لوقف الإجراءات العقابية التي تعرقل الوصول الإنساني. ودعم وجود فلسطيني في كل أقسام المرحلة الثانية.
إن الرهان على ملادينوف ليس رهانًا على شخصية بقدر ما هو اختبار لإرادة دولية جديدة، فالمبعوث الأفضل لن ينجح في ظل غياب دعم سياسي حقيقي، ورغبة دولية في وقف سياسات الحصار والإذلال الجماعي.
يبقى مستقبل مجلس السلام مرهونًا بإجابات كبرى: هل سيتحول إلى منصة دولية لحل حقيقي يبدأ من غزة؟ أم مجرد هيئة وظيفية لإدارة الوضع تحت عين إسرائيل؟ وهل سيكون للشارع الفلسطيني كيان أم أنه سيكون مجرد متلقٍ للمخرجات؟
قد يكون ملادينوف خيارًا أكثر اتزانًا من بلير، لكن نجاحه مرهون بشرطين أساسيين: وجود إرادة دولية تُحمل إسرائيل المسؤولية، ومشاركة السلطة الفلسطينية الوطنية تعيد الثقة بأي مبادرة دولية، خلاف ذلك فغزة ليست بحاجة لمجالس جديدة بل لحلول عادلة.