رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مع مطلع عام 2026، دخلت الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة مفصلية تتجاوز في تعقيداتها المواجهات العسكرية المباشرة التي شهدتها السنوات الماضية، حيث باتت الجبهات تعيش حالة من "الإنهاك الاستراتيجي" الشامل. 

 

لم تعد ساحات القتال تعتمد على الزخم البشري التقليدي وحده، بل تحولت إلى مسرح لحرب تكنولوجية فائقة الدقة، حلت فيها أسراب المسيرات الانتحارية وأنظمة الذكاء الاصطناعي محل التكتيكات الكلاسيكية.

 

 هذا التحول نقل ثقل الصراع من خطوط التماس الأمامية إلى العمق الاستراتيجي لكلا الطرفين، مما وضع البنية التحتية والمراكز الاقتصادية تحت ضغط مستمر، وسط محاولات روسية مستميتة لتثبيت مكاسبها الميدانية أمام صمود أوكراني بات يعتمد بشكل مصيري على قدراته التصنيعية المحلية والابتكار الدفاعي لتعويض فجوات الإمداد.


وفي خضم هذه التطورات الميدانية، طرأ تحول جذري ومفاجئ في الموقف الأوروبي الذي انتقل من دور "المساند الحذر" خلف المظلة الأمريكية إلى دور "القائد الفعلي" لملف إدارة الأزمة. 

 

هذا التغير لم يكن وليد الصدفة، بل جاء مدفوعاً بتحولات سياسية كبرى داخل الولايات المتحدة أدت إلى تراجع الانخراط الأمريكي المباشر في التمويل والتسليح. هذا الفراغ القيادي دفع القوى الأوروبية الكبرى، وعلى رأسها فرنسا وألمانيا، إلى تبني عقيدة "السيادة الدفاعية" بشكل غير مسبوق. 

 

ولأول مرة منذ عقود، بدأت القارة العجوز في إعادة عسكرة اقتصاداتها ووضع خطط أمنية طويلة الأمد تهدف إلى حماية حدودها بعيداً عن الاعتماد المطلق على حلف الناتو، مما يمثل إعادة صياغة شاملة للنظام الأمني الأوروبي الذي استقر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

 


وفي سياق هذا التوجه نحو "الواقعية السياسية" والرغبة في استعادة زمام المبادرة، بدأت تتبلور داخل أروقة الاتحاد الأوروبي مقترحات جريئة تدعو لفتح قنوات اتصال مباشرة ودائم مع موسكو. ويأتي على رأس هذه المقترحات "مشروع تعيين مبعوث أوروبي رفيع المستوى لشؤون السلام"، وهي الفكرة التي تخضع حالياً لنقاشات مكثفة بين الدول الأعضاء.

 

 يهدف هذا المقترح، في حال إقراره رسمياً، إلى كسر حالة الجمود الدبلوماسي وتجاوز أي وساطات خارجية قد لا تراعي المصالح الحيوية للقارة. وسيكون دور هذا المبعوث المقترح هو صياغة خارطة طريق "أوروبية الخالصة" للتفاوض المباشر مع الكرملين، والبحث عن صيغة تضمن وقفاً فورياً لإطلاق النار يمهد لتسوية تضمن استقرار ملفات الطاقة الحساسة وأمن الحدود، وهو ما يعكس قناعة أوروبية متزايدة بأن استقرار القارة لن يتحقق عبر التصعيد الدائم، بل عبر حوار مباشر يضع حداً لهذا النزيف.

 


وعلى الصعيد الدولي، بدأت الضغوط الاقتصادية المتبادلة تفرض واقعاً مريراً لا يمكن تجاهله في مطلع هذا العام؛ فبينما تواجه موسكو تحديات هيكلية ناتجة عن تآكل احتياطاتها النقدية وارتفاع كلفة الحرب، يواجه القادة الأوروبيون ضغوطاً شعبية متزايدة لموازنة الإنفاق العسكري الضخم مع أزمات غلاء المعيشة والتضخم. هذا الضغط المزدوج يمهد الطريق لما يصفه المحللون بـ "عام الحسم الدبلوماسي تحت وطأة الضرورة".

 

 وتذهب الاستشرافات المستقبلية إلى أن عام 2026 قد ينتهي بتوافق على "تجميد الصراع" وفق سيناريو مشابه للنموذج الكوري، حيث تتوقف العمليات العسكرية دون تنازلات سياسية نهائية، مما يفضي إلى سلام بارد وهش، لكنه كفيل بإنهاء المرحلة النشطة من أعنف صراع شهده القرن الحادي والعشرون، وتجنيب القارة الأوروبية انزلاقاً نحو مواجهة شاملة لا يحمد عقباها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء