في مساءٍ من ليالي أوائل يوليو 2024، أُغلقت فجأة نافذة اعتاد كثيرون أن يطلوا منها على همومهم اليومية، وأن يسمعوا عبرها صوتًا يشبههم ويعبر عنهم.
كانت تلك هي الإطلالة الأخيرة للإعلامية قصواء الخلالي، قبل أن يغيب برنامجها عن الشاشة، ويبدأ البرنامج فصلا لم يكن متوقعا في مسيرة إعلامية عُرفت دومًا بالصدق والمهنية والانحياز للناس.
لم يكن الغياب عاديًا، بل كان توقفا مفاجئًا، تاركًا خلفه أسئلة مفتوحة، وجمهورًا اعتاد أن يجد «في المساء مع قصواء» مساحة حقيقية للبوح والنقاش، ومنبرًا يتجاوز حدود الاستوديو إلى الشارع، ومن المحلية إلى الإقليمية.
«قصواء الخلالي.. صوت الناس لا يغيب»، عرفها المشاهدون إعلاميةً لا تكتفي بقراءة الأخبار أو إدارة الحوارات، بل تنحاز إلى الإنسان البسيط، وتفتح ملفات القرى قبل العواصم، وتستمع إلى الشكاوى كما تستمع إلى التحليلات.
ومن صعيد مصر إلى دلتاها، ومن أطراف المدن إلى قلب العاصمة، كانت قصواء الخلالي صوتًا حاضرًا لقضايا المواطنين ومطالبهم المشروعة.
برنامجها «في المساء مع قصواء» لم يكن مجرد برنامج محلي؛ إذ امتدت مساحته لتشمل القضايا الإقليمية والدولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حيث استضاف قادة عسكريين وخبراء استراتيجيين ومحللين سياسيين، مقدمًا محتوى جريئًا ومختلفًا، منح المشاهد رؤية أعمق لما يدور خارج الحدود.
جاء التوقف دون إنذار مسبق، وتزامن مع إغلاق الصفحات الرسمية للإعلامية على منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تتصاعد حملات تشويه منظمة، اعتمدت على اجتزاء مقاطع من البرنامج وتحريف مضمونها للتحريض ضدها، الأمر الذي وصل إلى تلقيها تهديدات بالعنف والاعتداءات الشخصية.
وفي بيان رسمي، كشفت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، المالكة لقناة «CBC»، في 7 يونيو 2024، عن تفاصيل ما تعرضت له قصواء الخلالي، مؤكدة دعمها الكامل لها في مواجهة حملة استهداف منظم، بسبب مواقفها الواضحة والجريئة.
وشددت «المتحدة» في بيانها على إدانة هذه الممارسات، مؤكدة اتخاذ جميع الإجراءات القانونية والمهنية اللازمة لحماية الإعلاميين والدفاع عن حقهم في حرية التعبير.
طوال سنوات بث «في المساء مع قصواء» كان أقرب إلى مرآة للشارع المصري، إذ لم يكتفِ بالنقاشات داخل الاستوديو، بل حرص على النزول إلى الناس، عبر تقارير ميدانية تنبض بالحياة، تنقل آراء المواطنين كما هي، بلا تزييف أو توجيه.
في الشوارع، والأسواق، والمواصلات، وأمام المصالح الحكومية، استمع البرنامج إلى شكاوى الناس وأسئلتهم وأحلامهم، وفتح لهم الميكروفون ليتحدثوا عن قضاياهم اليومية، من الغلاء والخدمات إلى التعليم والصحة، في تجربة إعلامية أعادت الاعتبار لفكرة أن الإعلام خادم للجمهور لا متحدث باسمه فقط.
بدأت قصواء الخلالي مشوارها الإعلامي من التلفزيون المصري، وقدمت برامج بارزة مثل «صباح الخير يا مصر» و«كلام اليوم» و«أحداث 24 ساعة». ثم تنقلت بين العمل مذيعةً ومراسلةً في عدد من القنوات العربية ووكالات الأنباء الدولية، من بينها رويترز والوكالة الألمانية وقناة العربية، قبل أن تنضم في 2010، إلى الإذاعة المصرية وقطاع الأخبار، وقدمت برامج إذاعية ناجحة مثل «قهوة المثقفين» و«ساعة وساعة».
خاضت قصواء تجربة التوك شو الصباحي والمسائي، وحققت نجاحات متتالية، وصولًا إلى «في المساء مع قصواء» عام 2018، الذي أصبح واحدًا من أبرز البرامج السياسية في مصر.
مع غياب «في المساء مع قصواء»، لم يغب صداه، إذ تصاعدت مطالبات الجمهور بعودته، بالتوازي مع التوجهات الرسمية الداعية إلى إعادة الكوادر الإعلامية المتميزة إلى المشهد، باعتبارها ركيزة أساسية لإعلام واعٍ ومسؤول.
واليوم وبعد كل هذا الغياب الذي تخط 548 يوما، تعود قصواء الخلالي إلى الأضواء عبر منصات رقمية متعددة، من خلال مؤسسة «إيجبتك»، لتستأنف مسيرتها المهنية، وتواصل ما بدأته: نقل صوت المواطن، وتحليل القضايا بعمق، والدفاع عن الحق في المعرفة.
ينطلق «في المساء مع قصواء» في موسمه الجديد برؤية تجمع بين التحليل الهادئ والحوار الراقي، ومتابعة دقيقة لما يدور في الشارع المصري، إلى جانب القضايا الإقليمية والدولية.
ويُبث البرنامج عبر عدد من المنصات الرقمية، مع إتاحة التفاعل المباشر للجمهور، في تأكيد جديد على فلسفة البرنامج القائمة على الحوار المفتوح والشراكة مع المشاهد.
ليست عودة قصواء الخلالي مجرد استئناف لبرنامج، بل استعادة لنموذج إعلامي يؤمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن الانحياز للناس شرف مهني.
هذه العودة تعيد للتوك شو معناه الحقيقي، وتؤكد أن الصوت الصادق قد يغيب، لكنه لا ينكسر.