رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كامرأة عربية تتابع السياسة الدولية، ألاحظ مفارقة قاسية: العالم يمتلئ بخطاب أخلاقي كثيف، لكنه يُدار بمنطق بارد لا يعرف العاطفة، الدول تتحدث كثيرًا عن القيم، والإنسانية، والعدالة… لكنها تتحرك، في لحظات الحسم، وفق حسابات القوة والمصلحة والبقاء، هنا لا تكمن المأساة في غياب الأخلاق، بل في الوهم بأن الأخلاق وحدها يمكن أن تحكم السياسة الدولية.

العلاقات الدولية لم تُبنَ يومًا على النوايا الحسنة، بل على افتراض جوهري: غياب سلطة عليا قادرة على فرض العدالة. 

في هذا النظام الفوضوي، تصبح الدولة مسئولة أولًا عن بقائها، لا عن إنقاذ العالم. الواقعية السياسية لا تقلل من قيمة الأخلاق، لكنها تضعها في مرتبة تالية على الأمن والمصلحة. من لا يفهم هذه القاعدة، يدفع الثمن شعوبًا لا حكومات.

وهنا تظهر إشكالية العاطفة. العاطفة تحرّك الرأي العام، لكنها لا تحكم غرف صنع القرار، الصور المؤلمة، واللغة الأخلاقية، وحملات التعاطف العالمية نادرًا ما تغيّر سلوك الدول ما لم تتقاطع مع مصالحها المباشرة. التاريخ الحديث مليء بأزمات إنسانية هزّت الضمير العالمي، لكن لم تمنع الإبادة، ولا الحصار، ولا الاحتلال. لأن التعاطف لا يصنع سياسة، بل يصنع ضغطًا مؤقتًا.

من منظور نسوي عقلاني، تصبح المشكلة أكثر تعقيدًا. المرأة، تاريخيًا، وُضعت في خانة “الأخلاق” و“العاطفة” مقابل “العقلانية”، لكن القراءة النسوية الجادة للعلاقات الدولية لا تطالب بعالم أكثر عاطفية، بل بعالم أكثر وعيًا بتكلفة الوهم الأخلاقي. أخطر ما يمكن أن تتعرض له المجتمعات الضعيفة هو أن تُقنع بأن العدالة الدولية ستأتيها تلقائيًا لأنها “على حق”. الحق وحده لا يحمي، ولا يردع، ولا يوقف العنف.

هنا يأتي القانون الدولي الإنساني، بوصفه المساحة الأكثر التباسًا بين الأخلاق والسياسة. هذا القانون لم يُصمم ليمنع الحروب، بل ليجعلها أقل وحشية، وهو لا يُطبق لأن العالم أخلاقي، بل لأن بعض الدول رأت فيه مصلحة: تنظيم العنف بدل تركه فوضويًا. لذلك نرى انتهاكاته واسعة، وانتقائيته صارخة. يُفعّل حين يخدم توازنات القوة، ويُجمّد حين يتعارض معها. المشكلة ليست في القانون ذاته، بل في الاعتقاد بأنه كافٍ وحده لحماية الضحايا.

العدالة الأخلاقية في السياسة الدولية ليست كذبة كاملة، لكنها وعد مؤجل، مشروط بالقوة، العدالة لا تأتي لمن يستحق فقط، بل لمن يملك أدوات فرضها أو على الأقل منع انتهاكها لهذا، فإن الخطاب الأخلاقي غير المسنود بقوة سياسية، أو تحالفات، أو قدرة على الردع، يتحول إلى عبء على أصحابه لا إلى حماية لهم.

ومن هنا، لا يكون المطلوب التخلي عن القيم، بل إنقاذها من السذاجة. السياسة الدولية تحتاج أخلاقًا واعية بحدودها، لا أخلاقًا حالمة. تحتاج خطابًا إنسانيًا مدعومًا باستراتيجيات واقعية، لا عواطف تُستهلك في الإعلام ثم تُنسى في غرف القرار.

 

الخلاصة، من عيون امرأة عربية ترى العالم بلا أوهام:


العالم لا يُدار بالنوايا الحسنة، بل بتوازنات القوة.والعدالة الأخلاقية، من دون قوة تحميها، تظل مجرد خطاب جميل في عالم قاسٍ.أما الوعي الحقيقي، فهو أن نفهم كيف يعمل هذا العالم… قبل أن نطلب منه أن يكون عادلًا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء