رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ظل ما شهدناه وما نشهده من تطورات خطيرة وتاريخية في فنزويلا ومحيطها الإقليمي، عاد الحديث بقوة في الإعلامين الأمريكي والعالمي عن قيام الرئيس دونالد ترامب بإعادة إحياء عقيدة مونرو. ولم يقتصر هذا الحديث على الإشارات الخطابية أو التلميحات السياسية، بل تجاوزه إلى تبنٍّ صريح وعملي لهذه العقيدة بوصفها عنواناً ناظماً للسياسة الخارجية الأمريكية في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وهو ما انعكس بوضوح في استراتيجية الأمن القومي الصادرة عن البيت الأبيض قبل أشهر قليلة.


واللافت أن الإدارة الأمريكية الحالية لم تكتفِ بالتصريحات أو التهديدات أو حتى الإنذارات الدبلوماسية، بل وضعت عقيدة مونرو موضع التنفيذ العملي عبر عملية عسكرية خاطفة في فنزويلا، أسفرت عن اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وعزله من السلطة. وتبع ذلك حراك أمريكي مكثف لفرض السيطرة على البلاد من خلال التوصل إلى ترتيبات مع بنية النظام القائم، الذي لم يسقط بسقوط رأسه. وتشير تلميحات صادرة عن ترامب، وماركو روبيو، ومسؤولين أمريكيين آخرين، فضلاً عن تقارير صحفية أمريكية، إلى أن هذه الترتيبات ربما تكون قد أُنجزت بالفعل.


غير أن تصوير ما جرى باعتباره إحياءً لسياسة أمريكية قديمة تعود لعصور غابرة، كما تفعل بعض وسائل الإعلام الأمريكية، لا سيما تلك المناهضة لترامب، يفتقر إلى الدقة التاريخية. فالحقيقة أن الرئيس ترامب لم يخترع العجلة، ولم يستدعِ عقيدة خرجت من التداول، بل تصرف ضمن إطار ثابت ومتجذر في بنية التفكير الاستراتيجي الأمريكي. فعقيدة مونرو، منذ إعلانها في مطلع القرن التاسع عشر وحتى اليوم، لم تغب يوماً عن وجدان صانع القرار الأمريكي، لأنها ببساطة تمثل أحد المحددات البنيوية للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه محيطها الجيوسياسي المباشر.


وقبل الخوض في تفاصيل هذه الاستمرارية التاريخية، يبرز سؤال جوهري قد يطرأ على ذهن القارئ: ما هي عقيدة مونرو؟
بإيجاز، تعود عقيدة مونرو إلى عام 1823 حين أعلنها الرئيس الأمريكي جيمس مونرو في سياق مواجهة محاولات إسبانيا استعادة السيطرة على مستعمراتها السابقة في أمريكا اللاتينية، التي كانت قد شهدت موجات تحرر وطني ضد الاستعمار الإسباني والبرتغالي. وقد تمثلت المبادئ الأساسية للعقيدة في اعتبار النصف الغربي من الكرة الأرضية، أي الأمريكيتين، مجال نفوذ حصري للولايات المتحدة، مع حظر أي وجود أو تدخل لقوى عظمى أخرى من شأنه منازعة واشنطن في هذا النفوذ.


وبالفعل، نجحت العقيدة في حينها في ردع إسبانيا عن تنفيذ مخططاتها، ولم تنتهِ بانتهاء ولاية مونرو عام 1825، بل عملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على تطويرها وتعزيزها. وخلال القرن التاسع عشر، لجأت الولايات المتحدة فعلياً إلى المبادئ والأطر الاستراتيجية الذي أرستها عقيدة مونرو لتقليص نفوذ القوى الأوروبية في نصف الكرة الغربي، خصوصاً بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية. فقد مارست واشنطن ضغوطاً على فرنسا لإنهاء تدخلها العسكري في المكسيك، وهو ما تحقق بهزيمة فرنسا وخروجها عام 1867، كما اشترت الولايات المتحدة مستعمرة ألاسكا من روسيا القيصرية في العام نفسه، منهية بذلك الوجود الروسي فيما كان يُعرف آنذاك بـ"العالم الجديد".


وتجلى الالتزام المستمر بعقيدة مونرو أيضاً في الحرب الأمريكية الإسبانية عام 1898، التي انتهت بخروج إسبانيا من كوبا وتنازلها عن بورتوريكو لصالح الولايات المتحدة. وفي عهد الرئيس ثيودور روزفلت، توسعت واشنطن في فرض هيمنتها الأمنية والاقتصادية على منطقة الكاريبي، في تطبيقاً عملياً لعقيدة مونرو. واستمر هذا النهج خلال الحربين العالميتين، حيث تبنت الولايات المتحدة عقيدة مونرو في تعاملها مع أمريكا الوسطى والجنوبية للتصدي لمحاولات التغلغل الألماني، ونجحت إلى حد بعيد في تحييد النصف الغربي من الكرة الأرضية عن ويلات تلك الحروب.


وخلال الحرب الباردة، عادت عقيدة مونرو إلى الواجهة بأوضح صورها. وتُعد أزمة الصواريخ الكوبية المثال الأبرز على ذلك، إذ كادت أن تشعل حرباً عالمية ثالثة ولكن نجحت واشنطن في نهاية المطاف في إزالة التهديد السوفيتي المباشر في مجالها الحيوي. وعلى امتداد تلك المرحلة، تصدت الولايات المتحدة للنفوذ السوفيتي في أمريكا اللاتينية عبر دعم انقلابات عسكرية ضد حكومات يسارية في دول مثل غواتيمالا وتشيلي، وتأجيج حروب أهلية في بلدان كالسلفادور، ونيكاراغوا لمنع قيام أنظمة مستقر تمنح نافذة تدخل منها روسيا السوفيتية في المجال الحيوي الأمريكي. بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى تدخل عسكري أمريكي مباشر، كما حدث في جمهورية الدومينيكان عام 1965 وغرينادا عام 1983. أما الغزو الأمريكي لبنما عام 1989، فرغم عدم ارتباطه المباشر بمواجهة قوة عظمى منافسة، فإنه عكس بوضوح الإيمان الأمريكي الراسخ بالحق الحصري في إدارة شؤون ما تعتبره واشنطن بالفناء الخلفي الخاص به، دون اكتراث حقيقي بمبدأ السيادة الوطنية المكفول بموجب ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.


ويهدف هذا السرد التاريخي إلى إبراز حقيقة كثيراً ما يتجاهلها الإعلام الغربي، وهي أن عقيدة مونرو لم تغب يوماً عن الإدراك الاستراتيجي الأمريكي. فهي عقيدة متجذرة في تصور الولايات المتحدة لمحيطها الجيوسياسي، وتُفعَّل عند الحاجة، سواء جرى التصريح بها علناً أو طُبقت ضمنياً دون الإشارة الصريحة إليها. وفي بعض الحالات، كما هو الحال في فنزويلا اليوم، يُصاحَب تطبيقها بتأكيد صريح عليها في الخطاب الرسمي، بما في ذلك استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الأخيرة.


ومن ثم، فإن الزعم بأن ترامب أعاد إحياء عقيدة كانت قد اندثرت لا يصمد أمام الحقائق التاريخية. فخصوم ترامب يرون في هذا الزعم وسيلة لتصويره بوصفه رجعياً وإمبريالياً، في حين يعتبره أنصاره دليلاً على حزم قيادي غير مسبوق في التعاطي مع المجال حيوي الأمريكي. غير أن القراءة الموضوعية للتاريخ وللسياسات الأمريكية الممتدة تجاه فنزويلا تحديداً تكشف أن واشنطن انتهجت مساراً عدائياً متصاعداً تجاه كراكاس منذ صعود هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999، مروراً بدعم محاولة الانقلاب ضده عام 2002، وفرض سلسلة طويلة من العقوبات الاقتصادية، وصولاً إلى دعم حركات احتجاج ومحاولات اغتيال ضد خلفه الرئيس نيكولاس مادورو.


ويأتي تصعيد ترامب في فترته الثانية في سياق دولي مضطرب، يتسم بإعادة تشكيل النظام الدولي وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى. وفي هذا الإطار، لم يفعل ترامب سوى البناء على سياسات أسلافه، من بوش الابن إلى أوباما وبايدن، ودفعها إلى مداها المنطقي: الإطاحة برأس النظام الفنزويلي، وكسر إرادة كراكاس، وتقويض النفوذ الصيني والروسي والإيراني في الخاصرة الأمريكية، وفرض السيطرة الفعلية على أكبر احتياطيات نفطية في العالم، في ظل سباق عالمي محموم على الموارد الاستراتيجية بين القوي الكبري.


خاتمة


ختاماً، تكشف الحالة الفنزويلية بوضوح أن عقيدة مونرو لم تكن يوماً مجرد نص تاريخي تجاوزه الزمن، بل إطاراً حاكماً ومستمراً للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه نصف الكرة الغربي. فما جرى في فنزويلا لا يمثل قطيعة مع الماضي ولا نزوة شخصية لرئيس بعينه، بقدر ما يعكس تراكماً تاريخياً لسياسات أمريكية ثابتة ترى في أمريكا اللاتينية مجالاً حيوياً لا يقبل الشراكة مع قوى دولية منافسة. وفي ظل اشتداد التنافس الدولي على الموارد والنفوذ، تبدو فنزويلا اليوم نموذجاً صارخاً لكيفية ترجمة هذا الإدراك الجيوسياسي إلى أفعال مباشرة، تتجاوز العقوبات والضغوط السياسية إلى إعادة هندسة التوازنات بالقوة، بما يؤكد أن منطق الهيمنة لا يزال حاضراً بقوة في السلوك الأمريكي، مهما تبدلت الشعارات أو الوجوه في البيت الأبيض.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء