توقف العدادات التبادلية يهدد استثمارات الطاقة الشمسية والصناعة الخضراء
في خطوة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية والصناعية، بدأت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة في مصر تنفيذ قرار وقف نظام العدادات التبادلية (صافي القياس) لمشروعات الطاقة الشمسية، والذي يعتبر حجر الزاوية في جذب الاستثمارات إلى قطاع الطاقة النظيفة.
بداية الأزمة
هذا القرار، الذي دخل حيز التنفيذ مع مطلع العام الجديد، يهدد بإهدار مليارات الجنيهات من الاستثمارات الوطنية، ويثير مخاوف من تراجع مصر عن أهدافها في التحول إلى الطاقة المتجددة بحلول 2035.
تعود الوقائع إلى مارس 2025، عندما أعلنت الوزارة عن وقف تلقي طلبات جديدة للربط على الشبكة القومية، مع تمديد المهلة مرتين حتى نهاية أكتوبر 2025. ومع بداية يناير 2026، تلقت عشرات المنشآت الصناعية إخطارات رسمية بوقف العمل بالنظام، الذي يسمح لأصحاب المحطات الشمسية بتصدير الطاقة الزائدة إلى الشبكة مقابل خصم من فواتير الاستهلاك.
وفقًا لخبراء، يعتمد هذا النظام على خفض تكاليف التشغيل بنسب تصل إلى 70%؛ ما جعله حافزًا رئيسيًا للصناعات الثقيلة مثل الغزل والنسيج والأسمدة.
الأسباب الغامضة وراء القرار
لم تصدر الوزارة بيانًا رسميًا مفصلًا يوضح الأسباب، لكن بعض المصادر تشير إلى مشكلات فنية في الشبكات أو عدم التزام بعض الشركات بخدمات الضمان.
ومع ذلك، ينتقد الخبراء هذا الغموض، معتبرين أنه يعكس نقصًا في الشفافية.
ومن جانبه، قال المهندس أيمن هيبة، رئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة، أن القرار يهدد استثمارات الطاقة الشمسية، ولم نتلق أي توضيحات رسمية عن المبررات أو البدائل.
من جانبه، أعرب النائب محمود عصام، عضو مجلس النواب، عن قلقه البالغ، واصفًا القرار بأنه "طعنة في قلب الصناعة الخضراء"، في استغاثة برلمانية وجهها إلى رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزير الكهرباء؛ حيث طالب عصام بتجميد القرار فورًا، وعقد جلسة استماع علنية مع أصحاب المصلحة، وتشكيل لجنة فنية مشتركة لوضع حلول عادلة. كما قدم سؤالًا عاجلًا في ديسمبر 2025، محذرًا من أن القرار يهدم الثقة بين الدولة والمستثمرين.
التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية
يؤثر القرار على نحو 168 إلى 170 شركة معتمدة من هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، مع خسائر محتملة تشمل تجميد خطط التوسع وانهيار ثقة المستثمرين المحليين والأجانب. يقول محمود فايد، خبير في الطاقة، إن القرار "يهدد الصناعة ويحتاج إلى توضيح حكومي عاجل"، مشيرًا إلى أنه قد يعيق نمو المنظومة الخضراء ويؤثر على آلاف الوظائف.
في سياق أوسع، يأتي هذا القرار وسط ارتفاع فواتير الكهرباء؛ حيث يلجأ المصريون إلى وسائل مثل سرقة التيار لتقليص التكاليف، مع تسجيل 3.4 ملايين محضر سرقة في 2025، كما يتعارض مع أهداف مصر في الوصول إلى 42% من الطاقة المتجددة بحلول 2035، مما يثير تساؤلات حول التزام الحكومة بالتحول الأخضر.
توقف نظام العدادات التبادلية في مصر: تهديد لاستثمارات الطاقة الشمسية ومخاوف من تراجع الصناعة الخضراء
ومن جانبه، يرى المهندس محمد علي، خبير طاقة، إن توقف نظام العدادات التبادلية في مصر يشكل تهديدًا مباشرًا لاستثمارات الطاقة الشمسية، ويضع الصناعة الخضراء في موقف حرج، خاصة في ظل توجه الدولة لتعزيز إنتاج الطاقة النظيفة، وزيادة مساهمتها في مزيج الطاقة الوطني.
وأوضح علي في تصريح خاص لـ "إيجبتك"، أن نظام العدادات التبادلية كان أحد الركائز الأساسية لدعم المستثمرين والمطورين في قطاع الطاقة الشمسية؛ حيث يسمح لهم ببيع فائض الطاقة المنتجة إلى الشبكة الوطنية واسترداد قيمتها، وهو ما يعزز العائد المالي للمشروعات ويحفز توسع القطاع. ومع توقف هذا النظام، فإن العائد المتوقع لهذه المشروعات يصبح غير مضمون، مما قد يؤدي إلى تباطؤ الاستثمارات المحلية والأجنبية في مشاريع الطاقة الشمسية.
وأشار الخبير إلى أن تداعيات هذا القرار لا تقتصر على المستثمرين فقط، بل تمتد إلى الصناعة الخضراء المصرية بشكل عام، بما في ذلك شركات تصنيع الألواح الشمسية والمعدات المرتبطة بها، والتي تعتمد على الطلب المستمر من محطات الطاقة الشمسية الصغيرة والمتوسطة. وأي توقف طويل للنظام التبادلي قد يؤدي إلى انكماش الإنتاج المحلي وخسارة فرص عمل مهمة، فضلًا عن التأثير على أهداف الدولة في التحول للطاقة النظيفة وخفض الانبعاثات الكربونية.
وأضاف أن استمرار توقف العدادات التبادلية يضعف الثقة في السوق، ويخلق حالة من عدم اليقين بين المستثمرين، وهو ما قد يضطر بعض الشركات إلى إعادة تقييم مشاريعها أو تأجيل تنفيذها، ما يؤخر خطط الدولة لزيادة مساهمة الطاقة الشمسية في الشبكة الكهربائية.
وشدد الخبير على أن الحل يكمن في إعادة تشغيل النظام التبادلي بسرعة، مع وضع آليات واضحة لضمان استمراريته واستقرار العوائد للمستثمرين، مؤكدًا أن الطاقة الشمسية ليست فقط استثمارًا اقتصاديًا، بل أيضًا جزءًا أساسيًا من استراتيجية مصر لتحقيق أمن الطاقة والاستدامة البيئية.
وأكد أن توقف العدادات التبادلية يشكل رسالة سلبية للسوق، وإعادة تفعيلها أمر حيوي لحماية الصناعة الخضراء، وتشجيع المزيد من الاستثمارات في الطاقة الشمسية، وضمان مساهمة القطاع الخاص في تحقيق أهداف الطاقة المستدامة.