سعيد عبدالحافظ: "الدستورية" حسمتها بـ"الحكم للصندوق لا الجغرافيا"|خاص
بعد انتهاء ماراثون الانتخابات البرلمانية الأطول، طفا على السطح جدل سياسي وقانوني حول ترشح أحد أبناء محافظة أسيوط لتمثيل دائرة بمحافظة المنوفية، وهي الواقعة التي استدعت تحفظات من البعض بدعوى "عدم المعرفة بالشؤون الجغرافية والاجتماعية للمحافظة".
ورغم أن هذا الاعتراض قد يبدو مفهوماً في سياقه السياسي أو الشعبي، فإن القواعد القانونية وأحكام المحكمة الدستورية العليا وضعت حداً فاصلاً لهذا الجدل، مؤكدة أن "الفيصل هو صندوق الاقتراع" ولا اشتراط للإقامة في محل الترشح.
بين الجغرافيا والسياسة.. الدستورية تحسم الجدل: النائب وكيل عن الأمة لا "موظف خدمات" محلي
تؤكد فلسفة الدستور المصري وقوانين الانتخابات أن عضو مجلس النواب هو ممثل سياسي يمارس أدواراً تشريعية ورقابية على مستوى الجمهورية بأكملها، وليس مجرد "مسؤول خدمات محلية" تنحصر مهامه في دائرة جغرافية بعينها.
ومن هنا، لم يشترط المشرع المصري "الإقامة" أو "الانتماء الجغرافي" كشرط لصحة الترشح، بل ترك للناخب وحده سلطة تقدير مدى صلاحية المرشح لتمثيله، سواء كان من أبناء المحافظة أو من خارجها.
وفي هذا السياق، أكد سعيد عبد الحافظ، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، في تصريحات خاصة لـ إيجبتكِ، أن الحق في الترشح هو حق دستوري أصيل مكفول لكل مواطن تتوفر فيه الشروط القانونية، مشيراً إلى أن محاولة تقييد هذا الحق بحدود جغرافية تخالف صحيح القانون والدستور، إذ إن السيادة للناخب في اختيار من يراه الأنسب تحت القبة.
كلمة الفصل للمحكمة الدستورية العليا
لم يكن هذا الجدل وليد اليوم، بل حسمته المحكمة الدستورية العليا في حكم تاريخي برئاسة المستشار أنور رشاد العاصي (في القضية رقم 16 لسنة 37 قضائية دستورية). حيث قضت المحكمة برفض الدعوى التي طعنت على حق المرشح في اختيار المحافظة التي يترشح عنها.
وجاء حكم المحكمة ليؤكد دستورية المواد (4، 6، 10) من قانون مجلس النواب، والمواد المنظمة لتقسيم الدوائر.
وأوضحت المحكمة في حيثياتها أن النص التشريعي الذي يجيز لطالب الترشح "اختيار لجنة المحافظة التي يتقدم للترشح أمامها" يتسق تماماً مع مبادئ الحرية والتمثيل العادل، ولا يشوبه أي عوار دستوري.
التشريع يمنح المرشح حرية الاختيار
وبالنظر إلى النصوص القانونية التي استند إليها هذا الواقع، نجد أن المادة 10 من قانون مجلس النواب صريحة في نصها على أن: "يُقدم طلب الترشح لعضوية مجلس النواب في الدوائر المخصصة للانتخاب بالنظام الفردي، إلى لجنة المحافظة التي يختارها للترشح".
هذا الاختيار لم يقيده القانون بمحل الميلاد أو السكن، بل اشترط فقط تقديم مستندات محددة تشمل (السيرة الذاتية، صحيفة الحالة الجنائية، إقرار الذمة المالية، والشهادة الدراسية، وإيصال التأمين)، وهو ما يعني أن العبرة بالكفاءة السياسية والبرنامج الانتخابي الذي يقدمه المرشح للناخبين في الدائرة التي اختارها.
المعايير الدستورية للمترشح
وتماشياً مع المادتين 87 و102 من دستور 2014، فإن مشاركة المواطن في الحياة العامة واجب وطني، والترشح حق أصيل لكل مصري متمتع بحقوقه المدنية والسياسية، أتم الخامسة والعشرين من عمره، وحاصل على شهادة التعليم الأساسي على الأقل.
لذا، فإن الاعتراض على مرشح "أسيوطي" في "المنوفية" يبقى اعتراضاً في إطار المنافسة الانتخابية المشروعة، لكنه يفتقر إلى السند القانوني الذي يمكن أن يعيق مسيرته الانتخابية.
ويبقى الرهان الأخير على وعي الناخب في "المنوفية" لتقييم المرشح بناءً على قدراته التشريعية والرقابية، بعيداً عن صكوك الإقامة أو الروابط الجغرافية.