رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في لحظة فارقة من تاريخ العلاقات الدولية، تجاوزت الولايات المتحدة الأمريكية في المحيط الأطلسي حدود "الردع السياسي" لتدخل منطقة "القرصنة الممنهجة"، إن عملية الإنزال على الناقلة الروسية "مارينيرا" لا تمثل مجرد احتجاز لسفينة، بل هي إعلان صريح عن انتقال العالم من حقبة "سيادة القانون الدولي" إلى حقبة "هيمنة القوة "، حيث تُذبح حصانة علم الدولة على مذبح العقوبات الأحادية، فعلي مدار عقود استندت استقرارية التجارة البحرية الدولية إلى مبدأ حصانة السفن في أعالي البحار، وهو المبدأ الذي كفلته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام ١٩٨٢ وتعديلاتها حتي ولو لم توقع عليها الولايات المتحدة الأمريكية ولكن بإنزالها الأخير علي السفينة الروسية واختطافها، قررت القفز فوق تراث قانوني بناه العالم عبر سنوات وسنوات.


وعند النظر لهذه الحادثة من منظور محكمة العدل الدولية، نجد أن أمريكا قد نسفت "مبدأ السيادة" الذي أرسته قضية "نيكاراجوا" الشهيرة. فإذا كانت المحكمة قد جزمت سابقا بأن المصالح الأمنية لدولة ما لا تمنحها الحق في انتهاك سيادة دولة أخرى، ولا تعطل الملاحة البحرية لها فإن ما حدث مع "مارينيرا" هو "بلطجة قانونية" وخرق فاضح لقواعد القانون الدولي ، إذ لا يمكن للعقوبات الأمريكية (وهي تشريعات محلية عابرة للحدود) أن تُلغي قانونا دوليا يسمو فوقها.


ورغم أن الدعاية الأمريكية تروج الحادثة تحت بند "المطاردة الحثيثة" وأن الحظر المفروض علي نفط فنزويلا يسري علي النفط في أي مكان. إلا أن هذا التوصيف يسقط تقنيا وقانونيا؛ فالمطاردة الحثيثة تتطلب انطلاقاً من المياه الإقليمية للدولة المطاردِة فور وقوع المخالفة. أما مطاردة سفينة في أعالي البحار لأسبوعين بناءً على "شكوك سياسية"، فهو ليس إنفاذا للقانون، بل هو "شرعنة للمطاردة" تحول المحيطات إلى غابة مفتوحة.


ومع اعتراف بريطانيا أنها قدمت مساعدات عسكرية للقوات الأمريكية في هذه العملية، أغلب الظن أن تداعيات وارتدادات زلزال "مارينيرا" لن يقف عند حدود الأطلسي،  بل ستعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للبحار وفق ثلاثة سيناريوهات:


أولها: عسكرة التجارة الدولية
حيث ينتهى العصر الذي كانت فيه السفن التجارية تبحر بأمان تحت حماية "قانون البحار". فنحن مقبلون على زمن "الأساطيل المرافقة"؛ حيث ستضطر القوى الكبرى تأمين ناقلاتها بقطع حربية، مما يحول ممرات التجارة إلى براميل بارود موقوتة، ويرفع تكاليف التأمين والشحن إلى مستويات غير مسبوقة.


ثانيها : شرعنة "المعاملة بالمثل"
حيث قدمت واشنطن، بوعي أو بدون قصد،  ذريعة علي طبق من ذهب لخصومها للقيام بعمليات مماثلة. فما الذي يمنع موسكو الآن من اعتراض سفينة في بحر البلطيق، أو طهران في مضيق هرمز، بذريعة "التفتيش الأمني"؟ لقد سقط القناع الأخلاقي.


ثالثها: ولادة "النظام البحري الموازي فهذه الحادثة هي الدافع المثالي لتحالف "البريكس" والقوى الصاعدة لتسريع خلق نظام أمني بحري مستقل. يشهد انقسام المحيطات إلى "بحار موالية" و"بحار متمردة"، مما يعني نهاية العولمة البحرية كما عرفناها منذ عام 1945.


في رأيي إن السيطرة على "مارينيرا" هي رسالة أمريكية خطيرة في لحظة شعور بالانتصار بعد عملية فنزويلا لترسيخ الهيمنة الأمريكية علي نصف الكرة الغربي وقطع الطريق علي محاولات روسيا والصين بناء مناطق نفوذ في هذه المنطقة التي تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية حديقة خلفية ومنطقة نفوذ حصري لها.


لقد أثبتت هذه الحادثة أن اتفاقية الأمم المتحدة أصبحت "حبراً على ورق" أمام بوارج القوة. العالم لا ينزلق نحو الفوضى، بل دخلها بالفعل من أوسع أبواب المحيطات، حيث لم يعد "علم الدولة" المرفوع فوق السفينة يحميها من أطماع القوى  التي كان يجب عليها حماية السلم والأمن الدوليين والحفاظ علي قواعد القانون الدولي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء