كيف تفلت الحكومة من فخ الدين؟.. 5 سنوات و6 محاور لخفضه حتى 68% من الناتج
لم تعد قضية الدين العام مجرد أرقام في تقارير رسمية، بل أصبحت واحدة من أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا على الاقتصاد المصري، وهو ما دفع الحكومة إلى إعلان استراتيجية ممتدة تهدف إلى كسر الحلقة التاريخية للديون المرتفعة، وتحويل الدين من عبء ضاغط إلى أداة يمكن التحكم فيها، إذ أن اللافت في الخطة الجديدة ليس فقط الأهداف الرقمية، وإنما طريقة التفكير التي تحكم إدارة الدين خلال السنوات المقبلة.
كيف هو الوضع الحالي؟
وصل الدين العام المحلي والخارجي إلى حوالي 14.95 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2025، مع استهداف خفضه إلى 80% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول يونيو 2027.
ويأتي تفاصيل الدين العام المصري - حتى نهاية يونيو 2025 وفق بيانات رسمية من وزارتي التخطيط والمالية والبنك المركزي:
- الدين المحلي استحوذ على 74% من الإجمالي، مسجلاً 11.1 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2025.
- الدين الخارجي بلغ 161.2 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من 2025، بارتفاع 6 مليارات دولار منذ بداية العام.
- خدمة الدين سداد 30.1 مليار دولار في أول 9 أشهر من السنة المالية 2024/2025 بأكثر بـ 6.3 مليار دولار عن العام السابق
كيف تخطط الحكومة للخروج من فخ الدين؟
أولًا: الرهان على الاقتراض.. بل على النمو
تعتمد الاستراتيجية الحكومية في جوهرها على معادلة واضحة من نمو اقتصادي أسرع وفائض أولي مرتفع ودين أقل نسبيًا، إذ تستهدف وزارة المالية خفض نسبة مديونية أجهزة الموازنة للناتج المحلي تدريجيًا من 84% في 2024/2025 إلى 68% بحلول 2029/2030، دون اللجوء إلى سياسات تقشف حادة قد تعطل النشاط الاقتصادي.
ثانيًا: الاقتراض الخارجي تحت السيطرة لأول مرة منذ سنوات
على خلاف الفترات السابقة، تتعامل الحكومة مع ملف الدين الخارجي بسياسة أكثر تحفظًا، تقوم على تحديد حد أقصى آمن للاقتصاد، من خلال وضع سقف واضح للإصدارات الدولية الجديدة بحيث لا تتجاوز قيمة الاستحقاقات السنوية.
ويعني ذلك التوجه أن صافي الاقتراض الخارجي سيظل قريبًا من الصفر، مع استهداف خفض الدين الخارجي لأجهزة الموازنة بمعدل يتراوح بين مليار وملياري دولار سنويًا، وهو ما يمثل تحول جوهري في فلسفة إدارة الدين الخارجي، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة التمويل عالميًا وتقلب الأوضاع الاقتصادية الدولية.
ثالثًا: التمويل الميسر بدلًا من القروض المكلفة
ترتكز الاستراتيجية الحكومية على تقليل الاعتماد على القروض التجارية مرتفعة التكلفة، والتوسع في التمويل الميسر طويل الأجل باعتباره خيارًا أقل ضغطًا على المالية العامة.
وتستهدف الحكومة أن تمثل القروض الميسرة نحو 60% من إجمالي التمويل الخارجي السنوي، مع تنويع أدوات التمويل لتشمل الصكوك والسندات الخضراء والسندات المستدامة، إلى جانب فتح أسواق جديدة، خاصة في آسيا والصين، لتقليل الاعتماد التقليدي على الأسواق الأوروبية والأمريكية.

رابعًا: عودة محسوبة للأسواق الدولية بنتائج إيجابية
شهد العام المالي 2024/2025 عودة مصر إلى سوق الإصدارات الدولية لأول مرة منذ ثلاث سنوات، إلا أن هذه العودة جاءت في سياق مختلف، مدعومة بإقبال دولي قوي وانخفاض ملحوظ في تكلفة التمويل مقارنة بمتوسط الأسواق العالمية.
كما سجلت درجة مخاطر الاستثمار في الأوراق المالية المصرية تراجعًا حادًا إلى 271 نقطة مقابل 1858 نقطة في ديسمبر 2024، بالتوازي مع انخفاض منحنى عائد السندات الدولية بنحو 278 نقطة أساس، وهو ما يعكس تحسنًا حقيقيًا في نظرة الأسواق العالمية للاقتصاد المصري، وليس مجرد نجاح تقني لعمليات الإصدار.
خامسًا: بيع الأصول كأداة لخفض الدين لا لتمويل الإنفاق
تعتمد الحكومة نهجًا أكثر انضباطًا في ملف التخارج من الأصول، يقوم على توجيه ما لا يقل عن 50% من حصيلة بيع الأصول والشركات المملوكة للدولة مباشرة إلى خفض الدين العام، بدلًا من استخدامها في تمويل مصروفات جديدة.
كما يتم توظيف توزيعات أرباح الشركات الحكومية في الاتجاه نفسه، بما يساهم في تخفيف الضغط على الموازنة العامة وتقليص الحاجة إلى الاقتراض خلال السنوات المقبلة.

سادسًا: إعادة هندسة الدين المحلي
لا تقتصر الاستراتيجية الحكومية على خفض حجم الدين المحلي فحسب، بل تمتد إلى إعادة هيكلة طبيعته، من خلال العمل على إطالة متوسط عمر الدين من 3.5 سنوات إلى ما بين 4.5 و5 سنوات على المدى المتوسط. ويتم ذلك عبر تنويع أدوات التمويل المحلية، بما يشمل إصدار الصكوك المحلية وسندات التجزئة والأدوات طويلة الأجل، إلى جانب تفعيل آليات المبادلة وإعادة الشراء، وتنشيط السوق الثانوية وتوسيع قاعدة المستثمرين، بما يسهم تدريجيًا في خفض تكلفة التمويل وتعزيز استدامة الدين المحلي.
التحدي الأكبر .. خدمة الدين
رغم التحسن في مؤشرات الدين والتصنيف الائتماني، تظل خدمة الدين هي التحدي الأخطر، إذ تستهلك نحو 50% من المصروفات العامة، أي حوالي 72% من الإيرادات في 2024/2025
ويرجع ذلك إلى استمرار مستويات الفائدة المرتفعة نسبيًا، وتركيز الدين المحلي داخل القطاع المصرفي، ما يقلل من سرعة انعكاس أي خفض للفائدة على أدوات الدين الحكومية.
بشكل عام، لا تعد الاستراتيجية الحكومية بحلول سحرية، لكنها تضع مسارًا أكثر انضباطًا وواقعية لإدارة الدين، يعتمد على النمو والتمويل الميسر بدلا من الاقتراض، وايضًا التخارج لتقليل الدين لا لتمويل الإنفاق، وعليه يبقى التحدي الحقيقي في الالتزام بالتنفيذ وسط ضغوط داخلية وخارجية لا تزال قائمة.