واكب رحيل الدكتور مراد وهبة، المفكر والفيلسوف التنويري الكبير، عن عمر ناهز مائة عام، والذي يُعد أكبر وآخر سدنة وحَمَلة مشعل التنوير في مصر، حملات شرسة تتهمه في وطنيته، والحقيقة أنني لم آخذ تلك الحملات على محمل الجد، بل اطمأننت تمامًا لتهافتها وسوء نيتها ومبالغتها، ومحاولتها تشويه رمز مصري بسبب الرؤية المتشددة التي تقف وراءها، والشخصيات المغرضة التي أطلقت الاتهامات على علّاتها.
مراد وهبة معروف بأنه أكبر المخلصين والمروجين للتيار العلماني في مصر، بمفهومه البسيط المباشر: فصل الدين عن الدولة. وهو مبدأ راسخ في حرية الاعتقاد كما جاء في القرآن: "لكم دينكم ولي دين"، وفي الإنجيل: "أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلَّهِ لِلَّهِ"، هو إذن لم يبتدع ولم يتقوّل على أحد، ولم يخترع نظامًا أو فكرًا جديدًا مريبًا، هو يتحدث عن فصل الديني عن الدنيوي، عن المسافة الآمنة التي يجب مراعاتها بين حياتنا اليومية المادية والطقوس الروحية التي تحقق سلامنا النفسي.
المتابع لمقالات الدكتور مراد وهبة في أكثر من جريدة يومية كان حريصًا على الكتابة فيها، يجد أنه يقدم أفكارًا في صميم التعايش الاجتماعي والارتقاء بالمجتمع من خلال الوعي والتنوير الذي يراه هو مفتاح التقدم.
هو فيلسوف حقيقي، مهموم بقضايا مجتمعه، يسعى لرفعته ونهضته على أسس فكرية وفلسفية راسخة، قوامها الآراء الليبرالية الحرة، والتوجه العلماني الذي يفصل تمامًا بين الدين والدولة، ولذلك واجه هجومًا شرسًا في حياته وبعد مماته من الإسلاميين المتشددين، ومع الأسف من بينهم تلامذته وأشخاص معروفون في الأوساط الثقافية، معروفون بتوجهاتهم الدينية المتشددة، البعيدة عن الموضوعية.
رد مراد وهبة في حياته على الاتهامات التي تعرض لها بأنها تشبه الاتهامات التي وُجّهت لابن رشد بالكفر والإلحاد وحرق كتبه لأنه تبنى رأيًا مختلفًا عن الإجماع، وفق فلسفته وفكره. واعتبر أن العصور الوسطى المظلمة في التاريخ الإسلامي بدأت مع حرق كتب ابن رشد، وتكرر الأمر بطريقة أو بأخرى لنوشك أن ندخل عصورًا وسطى حديثة بعد تولي الإخوان الحكم عام 2012.
كل كتاباته كانت ترفض فكرة "تديين الدولة"، وترى في ذلك خطرًا على المجتمع يجعله يدخل في صراعات لا داعي لها، مستشرفًا التجربة الأوروبية في تطبيق الفكر العلماني والفصل التام بين أنظمة الحكم وبين الكنيسة، ومن ثم بدايات عصر النهضة الأوروبية.
ترك مراد وهبة تركة ممتدة عبر كتبه ومقالاته وتاريخه الأكاديمي الطويل الذي ساهم في تخريج عشرات بل ومئات التلاميذ الذين ربما انحاز بعضهم لأفكار أستاذهم، لكنه في رأيي يبقى قيمة مهمة في تاريخنا المصري الحديث، وعلامة بارزة في الفكر والفلسفة يقدم رؤى نموذجية مخلصة حول فكرة الدولة والتعايش الاجتماعي.
وفي سلسلة مقالاته الفكرية والفلسفية التي جاءت تحت عنوان "رؤيتي للقرن الحادي والعشرين"، لم يكف رغم تقدمه في العمر (توفي عن مائة عام) عن تشريح أمراض المجتمع ومحاولة رصد الآفات الفكرية المعطلة لمسيرة التقدم، ووضع علاج لها نابع من التفكير العلمي السليم والقراءة المنطقية للواقع ومقارباتها بالوقائع التاريخية القريبة والبعيدة، وفي الوقت نفسه تمتد بصيرته لمحاولة استشراف المستقبل بناءً على معطيات الواقع المعاش.
من النادر أن نجد مفكرًا أو فيلسوفًا أو كاتبًا أخلص لأفكاره وشدد عليها وتمسك بها مثلما فعل مراد وهبة، الذي يستحق بجدارة لقب "كبير سدنة التنوير" في عصرنا الحالي.