رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

"العقل إذا لم يُستثمر، استُهلك؛ وإذا لم يُوقَظ، نام طويلًا"
فرانسيس بيكون

في البدء كان العقل… تلك الشرارة الخفية التي بها يختلف الإنسان، وبها يصنع أثره في هذا العالم؛ ولم تكن التربية يومًا مجرد تلقينٍ للمعرفة أو إعادة إنتاج لما هو قائم، بل كانت – في جوهرها الأعمق – فعل إيقاظ، ومحاولة دؤوبة لتحرير الطاقات الكامنة في الإنسان، واستدعاء ما يختبئ في داخله من قدرة على الخلق والتجاوز.

ومن هذا المنطلق، تتقدّم تنمية التفكير الإبداعي بوصفها قلب العملية التربوية النابض، لا باعتبارها ترفًا فكريًا أو مهارة ثانوية، بل باعتبارها الطريق إلى تشكيل إنسانٍ قادر على المبادأة وصناعة المعنى. فالإبداع ليس حكرًا على فئة منتقاة، ولا موهبة تُولد مكتملة، وإنما هو استعداد إنساني عام، ينمو حين يجد بيئة تحتضنه، ويخبو حين يُحاصر بالنمطية والتقليد.

فمن البديهي أن التربية التي تنشد المستقبل لا تكتفي بصقل العقل وحده، بل تسعى إلى بناء شخصية متوازنة، تتكامل فيها الأبعاد الجسدية والعقلية والانفعالية والروحية والأخلاقية والاجتماعية والجمالية، في رؤية تجعل الإنسان غاية التعليم وأداته في آنٍ واحد؛ فحين يُنظر إلى المتعلم بوصفه مشروع حياة لا وعاء معرفة، يصبح التعليم فعل بناء لا مجرد نقل.

ولأجل ذلك، انشغل التربويون والباحثون بتصميم برامج تعليمية تسعى إلى اكتشاف الطاقات الإبداعية وتنشيطها لدى المتعلمين على اختلاف مستوياتهم، إيمانًا بأن المجتمعات لا تنهض إلا بعقول قادرة على السؤال والتجريب وكسر المألوف؛ فالإبداع هو روح الحياة المتجددة، يتسلل إلى تفاصيل الوجود الإنساني كافة، ويمنح الإنسان القدرة على إعادة تشكيل واقعه، لا الاكتفاء بالتكيّف معه.

ومما لا شك فيه أن الإبداع يصنع مستقبل المجتمعات، وقد أسهمت الأفكار الإبداعية في نمو وتطور المجتمعات البشرية بشكل كبير، وخلقت هذه الأفكار حلولًا ذكية غير مألوفة للعديد من التحديات التي تواجه الفرد، سواء في مجال التعليم، أو الاقتصاد، أو الأمن، أو التكنولوجيا، وغير ذلك من المجالات الأخرى.

وعملت العديد من الدول على منح اهتمام خاص بالإبداع والمبدعين، وصممت من أجل ذلك برامج تعليمية وسبل دعم مادية ومعنوية تستهدف ذوي الأفكار الإبداعية، بل وأسست مراكز تعليمية خاصة بشريحة المبدعين تمنحهم جميع الوسائل المادية واللوجستية اللازمة لاستثمار قدراتهم.

إلا أن نمط التفكير الإبداعي ليس بسيطًا ومرتبًا، حيث إنه ليس مجرد توليد أفكار مثلًا والاختيار من بينها، وإنما يتضمن عددًا من المكونات التي تسهم في الناتج الإبداعي، ويتضمن التفكير الإبداعي معايير جمالية بقدر ما يتضمن معايير عملية، ويعتمد على الالتفات إلى الهدف بمثل ما يلتفت إلى النتائج، ويعتمد على الحركة بأكثر ما يعتمد على الطلاقة، وعلى العمل على حافة القدرة وليس على وسطها، وعلى كوننا موضوعيين بقدر ما نكون ذاتيين، ويعتمد أيضًا على الدوافع الداخلية بأكثر من اعتماده على دوافع خارجية.

إن العملية الإبداعية هي البعد الدينامي النشط الموجّه لمجال الإبداع، وربما كانت من أهم مكوناته، فلولاها لظلت القدرات الإبداعية المختلفة من أصالة وطلاقة ومرونة في حالة كمون واسترخاء أو تعطل نسبي، وربما طرأت عليها انتكاسات أو انطفاءات نتيجة عدم استغلالها أو تنشيطها بطريقة مناسبة من خلال العمليات الإبداعية الأصيلة، كما أنه من دون العملية الإبداعية لا تتاح الفرص للنواتج الإبداعية الأصيلة والتكيفية المناسبة أن تظهر للوجود.

وفي الأخير.. لا يتوقف الإبداع عند حدود الفكرة، ولا ينتهي عند لحظة الإلهام، بل يمتد أثره ليعيد تشكيل الواقع، ويمنح المجتمعات قدرتها على النهوض والتجدد. فالعقول التي تُدرَّب على السؤال، وتُمنَح حق التجريب، وتُحرَّر من أسر النمطية، لا تكتفي بصناعة المعرفة، بل تتحول إلى قوة فاعلة في صناعة القيمة.

ومن هنا يتبدّى الاقتصاد الإبداعي بوصفه الامتداد الطبيعي لتربية تُحسن استثمار العقول، وتؤمن بأن رأس المال الحقيقي لا يُقاس بما نملك من موارد، بل بما نمتلكه من أفكار. فحين تتحول الإبداعات الفردية إلى مشروعات، وتُترجَم الخيالات إلى حلول، يصبح العقل المبدع محركًا للاقتصاد، ومصدرًا للثروة، وأداةً للتغيير المستدام، وهذا ما عضده ألبرت أينشتاين: "هو أن ترى ما يراه الآخرون، ولكن تفكر فيما لم يفكر فيه أحد من قبل".

ومن هنا فإن المجتمعات التي أدركت هذه الحقيقة لم تعد تنظر إلى التعليم بوصفه مرحلة زمنية عابرة، بل باعتباره استثمارًا طويل الأمد في البشر، ومخزونًا استراتيجيًا للأفكار القادرة على فتح آفاق جديدة في مجالات الفن، والتكنولوجيا، والعلوم، والصناعة. وهكذا، يغدو التعليم الإبداعي الجسر الذي تعبر عليه الأمم من ضيق الإمكانات إلى سعة الابتكار، ومن استهلاك الأفكار إلى إنتاجها، وفي هذا الأفق، يصبح دعم الإبداع مسؤولية جماعية، تتقاسمها المدرسة، والجامعة، والمجتمع، وصانع القرار، لإعادة صياغة مناهج تعليمية تحفّز الخيال، وتكافئ الجرأة، وتؤمن بأن بناء اقتصاد المستقبل يبدأ من عقل طفل، وفكرة شاب، وحلم لم يجد بعد من يحتضنه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء