ذكرنا في المقابل السابق أنه عقب سقوط تنظيم داعش في سوريا والعراق، وتحرير مدينتي الموصل والرقة في عام 2017، تراجع بشكل ملحوظ الإعلام الداعشي الناطق باللغة التركية، واختفت تركيا إلى حد كبير من خطاب التنظيم الإعلامي، ولم تعد حاضرة فيه إلا بشكل محدود حتى عام 2019.
غير أن تحولًا لافتًا برز في آخر ظهور إعلامي لزعيم التنظيم السابق أبو بكر البغدادي، قبل مقتله في العام نفسه، وذلك في تسجيل مصور حمل عنوان "في ضيافة أمير المؤمنين". إذ ظهر في نهاية هذا التسجيل، مشهد لشخص يحمل ملفًا ورقيًا كُتب عليه باللغة العربية "ولاية تركيا"، ويقوم بتسليمه إلى البغدادي، في إشارة اعتُبرت آنذاك تحولًا في نظرة التنظيم إلى تركيا. فبعد أن كان داعش يعدّها سابقًا جزءًا مما يسمى بـ "ولاية الرقة" في سوريا، بدأ يتعامل معها باعتبارها "ولاية" مستقلة ضمن تقسيماته الجغرافية المزعومة.
وعلى الرغم من هذا التحول الخطابي، لم ينفذ التنظيم أي عمليات داخل تركيا لعدة سنوات، إلى أن عاد للظهور مجددًا في 28 يناير 2024، عندما استهدف قداسًا في كنيسة "سانتا ماريا"، بمدينة استانبول، ما أسفر عن مقتل شخص واحد.
وقد أعلن التنظيم مسؤوليته عن هذا الهجوم، واصفًا تركيا صراحة بأنها "ولاية"، في انسجام واضح مع الإشارات التي وردت في المقطع المرئي سالف الذكر.
وفي المقابل، لم تقف تركيا مكتوفة الأيدي أمام تهديدات وهجمات تنظيم داعش، بل خاضت حربًا واسعة لتجفيف منابعه الاقتصادية والعسكرية، ونفذت عددًا كبيرًا من العمليات الأمنية ضد خلاياه، واعتقلت آلافًا من عناصره. فحتى منتصف عام 2017، أغلقت السلطات التركية 12 مجلة ثبت تورطها في الترويج للتنظيم، كما أغلقت 9350 حسابًا على مواقع التواصل الاجتماعي. كذلك ألقت القبض على 9350 مقاتلًا أجنبيًا، إضافة إلى اعتقال 3069 شخصًا، من بينهم 1337 أجنبيًا.
كما وضعت تركيا 17500 أجنبي تحت المراقبة، وتم ترحيل 4500 منهم خارج البلاد، إلى جانب إصدار قرارات إبعاد بحق 4957 شخصًا من 99 دولة كانوا يحاولون التوجه إلى مناطق الصراع. كذلك مُنع 53781 شخصًا من 146 دولة من دخول الأراضي التركية، وأُحبطت 22 عملية انتحارية قبل تنفيذها.
وفي عام 2024، أعلنت تركيا تنفيذ 1399 عملية أمنية ضد تنظيم داعش. كما تمكنت خلال السنوات الماضية من إلقاء القبض على عدد من القيادات البارزة التي تسللت عبر حدودها، من بينهم القيادي الشرعي بشار خطاب الصميدعي، المعروف بأسماء «حجي زيد» و«زيد العراقي» و«أستاذ زيد»، والذي يُعد من أبرز قيادات التنظيم، وكان مرشحًا لتولي زعامته.
كذلك ألقت السلطات التركية القبض على صدا دودورا كايفا، زوجة أبو عمر الشيشاني، وزير دفاع التنظيم الذي قُتل عام 2016، إضافة إلى اعتقال زوجة أبي بكر البغدادي وعدد من أبنائه، وتسليمهم إلى السلطات العراقية. كما قبضت السلطات التركية على المدعو "رامي ريمو" الذي كان يخطط لشن عملية إرهابية في تركيا.
وفي الأسبوع الأخير من عام 2025 وفي إطار الاستعدادات للاحتفالات بأعياد رأس السنة الميلادية نفذت تركيا عمليات مداهمة ضد أوكار داعشية، في 21 مدينة تركية، على رأسها مدينتي أنقرة واستانبول. وأسفرت هذه العمليات عن القبض عن 357 شخصًا متهمًا بالانضمام لداعش، من بينهم أشخاص أجانب.
وفي ضوء ما سبق، تُظهر الأرقام والوقائع حجم الجهد الأمني والاستخباراتي الذي بذلته أنقرة في مواجهة التنظيم، سواء عبر تفكيك خلاياه، أو تجفيف مصادر تمويله، أو إحباط عملياته قبل تنفيذها. وعليه، فإن الصراع بين تركيا وداعش يظل صراعًا مفتوحًا تحكمه معادلة الاستباق والحذر، حيث تسعى تركيا إلى منع أي عودة فعلية للتنظيم على أراضيها، في وقت يحاول فيه داعش استغلال الثغرات الإقليمية والدولية لإعادة فرض نفسه، ولو بشكل محدود، على خارطة التهديدات الأمنية.