نعلم من قصة سيدنا يوسف كَم الأقدار والابتلاءات التي تعرض لها، ونعلم كيف استقبلها أرقى وأنجح استقبال، سنلخص هذه الأقدار ثم سنستعرض نقطة في غاية الأهمية تعيننا على فهم أقدار الله تعالى، وكيف أنها خيرٌ فقط لمن أحسن استقبالها، سنستعرض حالةَ من قَدر له الله تعالى مثل هذه الأقدار لكنه استقبلها استقبالًا معاكسًا.
قَدَر التحول من الحرية إلى العبودية بقصر العزيز، استقبله بالقبول والتسليم وظهر هذا في استغلال وجوده؛ حيث يجتمع كبار المسؤولين والعلماء في تعلم العلم الذي يُعرض أمامه.
قَدَر إغواء صاحبة البيت له حيث هو العبد الضعيف أمام السيدة المتمكنة الغنية صاحبة القصر والعز والجاه، الجميلة المرفهة، التى تملك أمر هذا العبد، تملك أن ترفعه أعلى عليين وتمنحه منصبًا وجاهًا وسلطانًا، وتملك أن تخسف به الأرض، وتحرمه حتى من وضعه الحالي وتذله وتهينه.
فكيف استقبل سيدنا يوسف هذا القدر، لقد رفض الإغواء رفضًا قاطعًا واستعصم وأبى الاستجابة لها ولسيدات القصر اللآتي قطعن أيديهن، حتى إنه فضل السجن على الاستجابة لهن.
قَدَر دخوله السجن مظلومًا منسيًا، دخل السجن لأنه أطاع ربه ولم يخطر على باله أن يعاتب ربه على ذلك، بل كان في السجن من المحسنين، ودعا أصحابه بالسجن لعبادة الله وحده، لم يتفوه بكلمة فيها سب أو شكوى ممن ظلموه، أحسن لكل من تعامل معهم في السجن، فلقبوه بـ "الصِّدِّيقُ".
قَدَر احتياج من ظلموه لعلمه، فقدم لهم علمه كاملًا بلا تأخير، عندما تذكره صاحبه في السجن وطلب منه تفسير رؤية الملك، قدم لهم التفسير كاملًا وزاد عليه من علمه بالخطة التى تنقذ البلاد من المجاعة.
قَدَر توليه مكانة عزيز مصر، استقبل هذا القدر بالإحسان أيضًا، فكان يستقبل طالبي المعونات ويجزل لهم العطاء، كما استقبل إخوته الذين رموه بالبئر وعفا عنهم.
لماذا عرضت هذه الأقدار وصورة استقبال سيدنا يوسف لها؟
لكى نبدأ في عرض هذه الأقدار لكن لدى إنسان استقبلها باستقبال عكسي لنرى رحلة هذا الإنسان وكيف ستكون حياته.
قَدَر التحول من الحرية إلى العبودية بقصر العزير، استقبلها بغضب وسخط على إخوته الذين حرموه من الحياة الرغدة التي كان ينعم بها، وغضب وسخط على من باعوه بضاعة وألقوا به إلى حياة العبودية والشقاء، فهو طوال الوقت حزين ومنكفئ على نفسه، لا يريد أن يختلط بأحد، ولا يتواصل مع من حوله، ويرى أنه ضعيف ومظلوم وضحية.
شغلته مشاعر الغضب عن الاستفادة من المكان الذي قدره الله تعالى له المليء بالعلوم الغزيرة، فلم يتعلم ولم يستفد منه شيئًا.
قَدَر إغواء صاحبة البيت له، من كان في الحالة المحبطة السابقة، يشعر بالضعف والقلة والمظلومية، لن يصمد أمام سيدة البيت الغنية المسيطرة التي يمكنها أن ترفعه وترقيه وتخرجه من المستوى المتدني الذي يشعر أنه فيه، فسيقبل إغواءها، وبمجرد أن يبدأ في الاستجابة لها، سيرى زوجها أمام الباب، فيعرف بما حدث فيدخله السجن.
اتخذ من الحرام طريقًا لحل مشاكله، يرى أن معه حق لأنه لا طريق آخر لذلك ــ من وجهة نظره ــ لم يوقن أنه من يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب.
قَدَر دخول السجن، هذا الإنسان دخل السجن وهو مليء بمشاعر الغضب المتراكم نتيجة فشله حتى في إقامة علاقة مع المرأة التي كان يعول عليها في إخراجه مما هو فيه، فكان طوال إقامته في السجن ساخط ومسيء لكل مَن حوله، ودائم الشكوى من الزمن الذي أوقعه في هذه الوقعة، ومع مشاعر الغضب هذه أساء لصاحبيه زملاء السجن فنفروا منه.
حاول أن يوصي أحد أصحابه أن يذكره عند من بيده الأمر، لكن لما خرج صاحبه من السجن لم يرد أن يتذكره أو يسدي إليه أي معروف.
وهكذا سيظل يتنقل من حال سيئ لأسوء، ويظل يعاني ويتألم ويقاسي، لكن المضحك في الأمر أنه مع أفعاله هذه، سيتهم ربنا وأقداره والدنيا والناس أنهم ضده، وأن حظه هكذا سيئ ولا يعرف لماذا!
إن هذه المفارقة تبين وتوضح كيف أن أقدار الله تعالى كلها خير، لكن لا يحصل منها الإنسان على هذا الخير إلا إذا أحسن استقبالها بما يحب الله تعالى ويرضاه، نفس هذه الأقدار استقبلها سيدنا يوسف بالتقوى والصبر والإحسان، فأصبح عزيز مصر ومدحه رب العالمين على تقواه وصبره وإحسانه "إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّـهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ"، بينما هذا الذي يُقَدر الله تعالى له نفس الأقدار لكنه يسيء استقبالها، فإنها تتحول إلى وبال عليه، وإلى معيشة ضنك في الدنيا والآخرة.
وللعلم، حياة كل منا تحمل أقدارًا مثل أقدار سيدنا يوسف، وتحمل من لطف الله تعالى ورحمته وحكمته مثل ما في قصته، لكن سنجد من أحسن استقبال أقدار الله فارتفع وارتقى، وسنجد من أساء استقبالها فهبط للدرك الأسفل.
وقد نقول إن الله تعالى قد وهب سيدنا يوسف موهبة تفسير الرؤى وهذا ما أنقذه في موقفين، لكنه تعالى يرزق كل من يتقيه ويبذل في تلقي العلم ما يميزه ويعينه على تخطي الصعاب.
إن رب العالمين بعلمه حكمته وقدرته، جعل قدر انتقال سيدنا يوسف من الحرية إلى العبودية تمكين ونقطة انطلاقة لمستقبله! هل كان يتخيل ذلك؟ بالطبع لا.. لكنه ماذا فعل، اجتهد فيما أقامه الله تعالى فيه، برضا وهدوء وإتقان، وتعبد الله واستقام على أمره، فتعلم كل العلم الذي أتيح له، واستوعبه وحفظه، مع أنه لم يكن يرى أي إشارة ولا أمل أن يستخدم هذا العلم، لكنه يعلم أن هذا ما يحبه الله تعالى ويرضاه منه، فإنما يخشى الله من عباده العلماء، فكانت هذه الإجابة الممتازة لامتحانه وابتلائه بداية نجاحات متتالية.